الأربعاء، 8 فبراير، 2017

بحث : التاريخ السياسى للفولانين والثورة المهدية.


المقــــــــدمــــــة:

وصف المستشرق الفرنسى لوشانتى Lechatelie  الفلانين بنشاطهم فى نشر الإسلام وكثرة العلماء فى مجتمعهم حيث يعدون من أهم الشعوب الأفريقية فى غرب أفريقيا التى تركت أثراً فى التاريخ السياسى للقارة وحضارتها.
الفلان يدخلون معترك الحياة السياسية فى إطار امتلاك السلطة:

تفيدنا المصادر التاريخية بأن الفلان ظلوا يجوبون القارة الأفريقية طولاً وعرضاً منذ آلاف السنين، دون أن يتمكنوا من تأسيس سلطة سياسية مستقرة والسؤال الذى يفرض نفسه هو: كيف تحول الفلان خلال القرن الثامن عشر من رعاة متنقلين إلى قادة استطاعوا قيادة أشهر الحركات الإصلاحية التى ظهرت فى إفريقيا فيما وراء الصحراء؟ للإجابة عن هذا الطرح، لابد من تتبع التطور التاريخى لأمة الفلان، ثم الوقوف على آليات امتلاك السلطة عند شعوب الفلان.
ويمكن تقسيم ذلك إلى ثلاث فترات: -
الفترة الأولى: - تميزت هذه الفترة للفلان فى حوض السنغال بامتلاكهم الأراضى الزراعية، وكانت إرهاصات تكوين الدولة وكان ذلك يتطلب منهم مواجهة عدة رهانات:
أ‌.    تأسيس الدولة يترتب عليه قبل كل شئ تنظيم العلاقة مع المجتمع القبلى ومجال تنقله، وهذا ما حدث فى الفترة الأولى، سواء فى منطقة حوض السنغال وماسنة، وذلك بنزول الفلان بطريقة سلمية فى أراضى خصبة هذا من جهة ومن جهة أخرى مزاولتهم للنشاط الفلاحى، بالإضافة نشاطهم الأصلى وهو تربية الماشية من بقر وأغنام، وتمخض عن هذا ازدهار الأسواق وتزويدها بمنتجاتهم الفلاحية، وأضحوا بعد ذلك قوة إقتصادية يحسب لها حسابها فى المنطقة.
ب‌.    انتقالهم من رعاة يأمرهم المزارعون بتربية الماشية الى ملاك للأراضى، وقد ترتب عليه انتشار لهذه السلطة الناشئة، فظهرت أولى الكيانات السياسية فى المنطقة مع أسرتى لام تومس الدينيكية، فالظرف يتعلق إذن بنموذج أولى لإمتلاك السلطة لدى الفلان، واعتمد فى المراحل الأولى على آليات تقتصر على إمتلاك المجال من جهة وإمتلاك القوة الإقتصادية من جهة اخرى، هذه الآليات لم تكن فى المستوى المطلوب بالنسبة للفلان فى الفترة الأولى، ونتج عن ذلك عدم استمرار هذه الكيانات السياسية لفترة طويلة مما جعل الفلان يبحثون عن بدائل أخرى.
الفترة الثانية: - فى هذه الفترة واجه الفلان مشكل ظهور النخبة، وهذا لا يتسنى لهم إلا من خلال مداخلين وهما:
مدخـــــل العـلـــــــم: - تيقظ الفلان منذ زمن بعيد لحاجتهم إلى وطن اصلى يحتضنهم، وحاولوا الإستعداد لذلك، فاعتنقوا الدين الإسلامى وتكونت لديهم نخبة استطاعت أن تتضلع فى اللغة العربية والفقه الإسلامى، وأصبحت تحمل معها ثقافة دينية إسلامية، وأخذت النخبة منها تمارس التدريس وتعليم القرآن الكريم، ومكنهم ذلك من احتلال مناصب اجتماعية مرموقة داخل القارة الأفريقية، فكان منهم القضاه والأمناء والأئمة وغير ذلك، ووصلت فيما بعد الى مصاف علماء استطاعوا استقطاب العامة الى جانبهم  وشق عصا الطاعة على الحكام المحليين، وهذا ما أفاد به محمود كعت وعبدالرحمن السعدى ومحمد المفتى مرحبا وغيرهم، وكثيراً ما كانت محاولات الفلان المتعددة تصاب بشئ من الفشل مما حدا بهم الى التراجع تارة بطريقة سلمية، وأخرى تحت توجيه الحكام الوطنيين.
وارتبط ظهورهم على مسرح الأحداث السياسية بشكل واضح بدخولهم الإسلام، عندما فتح عقبة بن نافع الفهرى أفريقيا فيما وراء الصحراء، فاندمجوا مع الفاتحين، وظهرت مساهمتهم السياسية جنباً الى جنب مع سلاطين برنو ومالى وسنغاى، الأمر الذى جعلهم يحظون برضى سلاطينها، والحصول على عدة إمتيازات عن طريق ما يسمى بالمحرم بأن تم إعفائهم من الضرائب والإلتزامات الموجبة لبيت المال وظفر زعيمهم غبدامة فى فترة  مملكة برنو بمكانة خاصة ومنح لقب سيد كب تشريفاً له رغم أنه لم يكن يحكم هذه الولاية.
المدخـــــل الصــــــوفى:- أخذت هذه المرحلة اهتمام الفلان بتأسيس المشروع الحضارى فى شقيه الدينى والسياسى على أسس قوية، وتم الإنتقال من العلم الى التصوف، والتصوف يقتضى وجود علاقة تجمع بين الشيخ والمريد لتصبح هذه العلاقة، علاقة ولاء روحى أكثر منها علاقة تعلم لكى يتمكن من خلالها الشيخ من تمرير مختلف أفكاره الى مريديه، كإنتقاده للحكام والدعوة الى إقامة الجهاد. وفى هذا المضمار نشير الى مسألة مهمة ومقدسة كمسألة البركات والكرامات والولاية التى التصقت بالفلان كما أفاد بذلك عبدالرحمن السعدى ونلمسه جلياً فى القرن التاسع عشر بداية من فترة الشيخ عثمان بن فودى بإعطاء هالة للطريقة القادرية، فى بلاد الهوسا، ومع الحاج عمر فى حوض السنغال باعتماده على الطريقة التيجانية الواسعة الإنتشار، وشيخى أحمدو فى ماسنة باعتماده الطريقة القادرية.
إن أعظم كيان سياسى للقبائل الفلان تمثَّل فى دولة الفلان الإسلامية التى أسسها المصلح الشيخ عثمان ابن فودى (1745 – 1809م )  فى إفريقيا فيما وراء الصحراء التى شملت نيجيريا الحالية، وجنوب النيجر، والجزء الشرقى من الكاميرون، وبوركينافاسو، خلال القرن التاسع عشر واستمرت من 1804م الى 1903م بإستشهاد السلطان محمد طاهر فى معركة بورمى ضد الإنجليز.
القـــــــــــادة الدينيين لقبيلة الفلانى:
عثمان بن فودى:
حياته ونشــــــأته:هو عثمان دان فودى ، ويلقب بفودى وتعنى باللغة الفلانية الفقيه، ولد فى إمارة غوبر، بمدينة مرط بمنطقة غلم، يوم الأحد الأول من محرم عام 1162هــ - 8/11/1752.
نشأ فى حجر والديه الصالحين، وكان لهما فضل صقله وتعليمه العلوم الدينية، والعلم بفروعه المختلفة، خاصة وأن عائلته عرفت بطول باعها فى العلوم الدينية منذ أمد بعيد، وهو السر الذى كانت تعرف به قبيلة من توردب من بنى موسى.
أساتذته:درس مبادئ العلم من والده محمد فودى، وعلى والدته حواء، وجدته رقية، وهذا يدل على أن نساء الفولان كان لهم شأن كبير وقمن بدور خطير فى المجتمع الأفريقى، ودرس الإعراب على الشيخ عبدالرحمن بن أحمد، وسمع الفقه من محمد ثنبو ابن عبدالله، وابن عمه محمد الفربرى، وأمه عائشة بنت عبدالله العالم، وتلقى التفسير عن الشيخ أحمد بن محمد بن هاشم الزنفرى، كما درس الصحاح الست على العالم محمد بن راجى، ثم العالم جبريل بن عمر، ولازمه مدة فى بلاد آهير، وسار معه الى مدينة أقدز، ثم أذن له الشيخ بالرجوع الى والده لأن والده لم يأذن له بالحج، وغادر الشيخ جبريل أقذر متوجهاً الى الأراضى المقدسة وقد أدَّى الشيخ جبريل دوراً مهماً فى حياة عثمان بن فودى العلمية، بأن انتقل من دور التعليم النظرى الى مرحلة التدريس، حيث تمكن من الخروج عن المألوف من التعلم على يد أفراد عائلته وأقاربه فى بلاد غوبر الى الخروج لأقذر، والجلوس مع عالم  ومصلح سياسى ذاعت شهرته فى الآفاق ألا وهو العالم جبريل الأقدسى، الذى رافقه عثمان وقد ناهز العشرين سنة أى فى عام 1771م، وانقطع عنه ثم رجع له عام 1785م.
ودرس عنه فى قرية أروى، كان يأتيه فى الصباح ويمكث معه الى المساء، وقد تمخضت له هذه الجلسات عن أفكار جديدة بعد عودته من الشرق الذى قضى فيه اثنى عشرة سنة، تمكن خلالها من الجلوس الى كبار شيوخ ذلك العصر من أمثال الشيخ محمد الحفناوى، والشيخ أحمد الدردير.
ومرتضى الزبيدى، وقد أدخل جبريل تلميذه عثمان فى الطريقة الخلوتية، التى أصبحت فيما بعد أيدلوجية الشيخ عثمان فى تربية الناشئ، والخلوتية: حركة سياسية فشلت فى تحركاتها، وكادت أن تنهار فى منتصف القرن السابع عشر، ثم عادت للإزدهار، فى فترة محمد بن سالم أحمد الحفناوى، 1181/1767.
لقد اجتمعت فى شخصية المصلح الشيخ عثمان بن فودى عدة ميزات لم تجتمع فى غيره من علماء إفريقيا فيما وراء الصحراء، وهو من الرواد الأوائل الذين حاربوا البدع التى كانت فى إفريقيا باللسان واليد، وهو الذى وصلت جهوده الى قيام دولة تحكم بكتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، أقرب الى الحكومات الإسلامية التى قامت فى صدر الإسلام. وتميزَّت شخصيته بميزات خلقية، أعطته خاصيات انفرد بها عن غيره، فقد كان شديد التواضع، وكثير الحياء والشفقة على البشر، وهذا ما جعل عدداً من الناس يلتفون حول دعوته منذ بدايتها الأولى.
إنتاجه العلمى: لقد ترك عثمان بن فودى إنتاجاً علمياً ينم عن سعة أفقه وتبحره فى العلم، ومن بين المؤلفات نذكر:
1.    كتاب أصول الدين: وقد طبع طبعة حجرية بدون تاريخ، يقول فى مؤلفه: "هذه أصول الدين... يجب على كل مكلف أن يعتقدها كما جاءت...وأما من كان من أهل البصيرة فيجب عليه أن يعمل الفكر فى هذه الأصول...لأن الدين مبنى على التبصر، ولا سيما إذا بلغ المرء منهم مقام الدعوة اليه."
2.    كتاب نجم الإخوان يهتدون به بإذن الله فى أمور الزمان: وقد طبع  طبعة حجرية بمدينة سكوتو بجمهورية نيجيريا، افتتحه بآيات من القرآن الكريم:"يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر"، وأشار الى أن الشريعة جاءت على ثلاثمائة وثلاث عشرة طريقة، ليس منها طريقة يلقى بها العبد ربه إلا ودخل الجنة، ويعتمد فى ذلك على تحكيم العقل الخ..
3.    كتابه فتح البصائر لتحقيق وضع علوم البواطن والظواهر: ما زال مخطوطاً.
4.    كتاب إحياء السنة وإخماد البدعة: تم تحقيقه من طرف أحمد عبدالله باجور، وصدر فى القاهرة عام 1985م.
5.    كتاب حصن الإفهام من جيوش الأوهام: طبعته مطبعة الزاوية التجانية بالقاهرة عام 1377م.
6.    كتاب إتمام المنكرين: مازال مخطوطاً.
7.    كتاب إتمام المنكرين فيما أمر الناس به وفيما أنهاهم عنه: مازال مخطوطاً.
8.    إقتباس العلم: مازال مخطوطاً.
9.    بيان وجوب الهجرة على العباد وبيان نصب الإمام وإقامة الجهاد: وقد حققه وترجمه الى اللغة الإنجليزية فتحى حسن المصرى، ونشرته دار جامعة الخرطوم للنشر ودار جامعة اكسفورد سنة 1977م.
10.    وثيقة الإخوان لتبيين دليلات وجوب اتباع الكتاب والسنة والإجماع: مازال مخطوطاً. والجدير بالملاحظة أنه يعتبر كتاب إحياء السنة وإخماد البدعة من أهم مؤلفات الشيخ عثمان، وقد ألفه عام 1793م، وعمره فى تلك الفترة حوالى أربعين سنة، أى بعد أن قضى عشرين سنة فى التكوين الفكرى، بأن اطلع على أصول الدين الإسلامى، وعلى أمهات الكتب الشرعية والفقهية، وأصبح فى مرحلة متقدمة من النضج الفكرى تكفل له صياغة مشروع متكامل يعطى أكله، لقد أودع عثمان فى مؤلفه هذا عصارة أفكاره وآرائه، وركز فيه على إصلاح عقيدة الناس، ومعاملاتهم اليومية ليبين لهم الإسلام الصحيح الذى كان أيام رسول الله صلى الله وسلم، والصحابة والتابعين، ويهيئهم لتطبيقه كما طبقه أولئك، ويبرز صاحبنا عالماً ومفكراً له ايديولوجية من أول وهلة يطلع فيها القاري على سفره، وتبدو منهجيته بالغة الأهمية من خلال قوله:"ورتبته على أبواب ليكون كل باب مستقلاً بنفسه فى المعنى المراد به".
توفى الشيخ المجاهد عثمان دان فوديو عام 1817م
الشيخ عبدالله بن فودى: حياته ونشأته: هو عبدالله بن محمد موسى جكل، ويلقب بابن فودى، وفودى تعنى باللغة الفلانية الفقيه. اختلفت الروايات التاريخية فى مولده، فقد أورد الشيخ أبوبكر بن غومى قاضى قضاة نيجيريا الشمالية بأن مولده كان فى عام 1197/1782م، اما ابوبكر على غندو فأورد أنه ولد عام 1180/1766م بولاية غوبر، وأمام هذه الآراء يتضح أن مولده كان عام .
أصـــله: ينتمى الشيخ عبدالله بن فودى الى قبائل الفلان ، أما عن نشأته العلمية فإن مولده فى بيت علم ووقار، وكان لوالده دور كبير فى تنشئته وتربيته وتعليمه، فلقد حفظ كتاب الله على يد والده، ثم تولى اخوه الأكبر عثمان بن فودى دوراً فى صقل شخصيته وتعليمه فقد تركه والده عنده وعمره لا يتجاوز ثلاثة عشر سنة فكان بحق والده وأستاذه، ونجد الشيخ عبدالله يعترف بذلك ويعتبره القدوة الحسنة بالرغم من الإختلاف الفكرى بينهما.
لقد قرأ صاحبنا على أخيه العشرينات الفازازية والوتريات والشعراء الستة، وعلم التوحيد، ويذكر الشيخ عبدالله فى ذلك بقوله: "وقل كتاب لعلم التوحيد وصل الى بلادنا أو عرفته ولم أنقله عنه". كذلك درس الإعراب من الأجرومية وملحة الإعراب للحريرى فى النحو، وقطر الندى لإبن هاشم فى النحو، وعلم التصوف، كما درس عليه الفقه، بما فيها كتب الفقه المالكى التى قادته لمعرفة الأخضرية والعشماوية ورسالة ابن ابى زيد القيروانى، كما أخذ عنه تفسير القرآن الكريم من أول سورة الفاتحة والى آخر القرآن الكريم عدة مرات، إضافة لهذا درس عليه علم الحديث، منها دراية العراقى ورواية البخارى، كما درس عليه علم الحساب.
ومن اساتذته الذين درس عليهم الشيخ جبريل بن عمر وهو من العلماء الكبار ومن الثوار الذين رسموا منهما وشقوا طريقاً للثورة والإنقضاض على الأوضاع السياسية والإجتماعية الفاسدة فى بلاد آهير وغيرها من مناطق أفريقيا فيما وراء الصحراء مما جعل السلطات الحاكمة فى أقدز تتقيه خارج أراضيها.
إنتاجه العلمى:
عندما نتحدث عن الإنتاج العلمى للشيخ عبدالله بن فودى نقف أمامه إجلالاً وإكباراً، فهو سهم الشيخ عثمان بن فودى الصائب فى جهاده، وقائد الجيوش، وشيخ المدارس، وإمام المساجد، ووزير الأمير، ومدير السياسة ومؤسسها، ومقيم العدل وراعيه، ومع ذلك فهو الكاتب الناسخ، والمؤلف الكبير، والمحقق المنشئ، والشاعر الناثر، والناظم المحلل، وفى كل فن له موقع خالص، تزيد مؤلفاته على مائة وسبعين كتاباً عدا الرسائل والخطابات، فقد أثر بزخمه العلمى المكتبة الإفريقية والإسلامية بالكثير من العمل الجاد  فى ميادين الشريعة والتفسير والفقه وأصوله، والحديث، والتوحيد والتصوف، وفى السياسة والإدارة، والتاريخ، ونظم الحكم، وفى علم النحو والصرف والعروض، وعلم الحساب وغيرهما.
ومن مؤلفاته فى علم التفسير، مخطوط ضياء التأويل فى معانى التنزيل، والفرائض الجليلة، ونظم ما فى الشوشاوى من علم التفسير، ومفتاح التفسير فى نظم الإتقان، والنقاية فى علم السيوطى، وسلالة المفتاح، وكفاية ضعفاء السودان، كما ألف عدة أسفار فى مجال الفقه والشريعة، منها ضياء الأنام فى الحلال والحرام، وضياء السياسات، وفتاوى النوازل مما هو فى فروع الدين من المسائل، وكفاية العوام فى البيوع، وكفاية الطلاب فى النكاح، أما مؤلفاته فى علم السياسة والإدارة، منها كتابه ضياء الحكام الذى ألفه فى مدينة كانو عام 1221هجرية، ومن مؤلفاته فى هذا الشأن ضياء السلطان ، وضياء المقتدين للخلفاء الراشدين، وضياء الإمام فى صلاح الأنام، وضياء الخلفاء ومن دونهم من الأقوياء والضعفاء، وسبيل السلامة فى الإمامة، ومن مؤلفاته الأخرى تعليم الراضى أسباب الإختصاص بموت الأراضى، أما فى مجال اللغة فمن مؤلفاته كتاب: البحر الذى خرج أجود من ألفية السيوطى فى النحو، وله كذلك الحصن الرصين فى الصرف، وفى علم المنطق له مخطوط يسمى مفتاح التحقيق، وفى العروض والقوافى له الفتح اللطيف، وفى التوحيد له نظم العقيدة الوسطى، ونظم النقاية للسيوطى، ومفتاح الأصول، أما فى علم التصوف فله مخطوط إيضاح زاد المعاد بمراقبة الأوقات بالأوراد، شفاء الناس من داء الغفلة والوسواس، نيل المرام من شيم الكرام، شكر الإحسان على منن المنان.
الشيخ أحمد لبو ىسيسى:
حياته ونشأته: ولد الشيخ أحمد لبو سيسى، فى بلدة ينغسرى بدولة ماسينا، إقليم موبتى (مالى) عام 1776م، وبعض المصادر تقول: إنه ولد عام 1775م، وقد توفى والده بعد ثلاث سنوات من ولادته، وكفله جده من أمه، وهو أول من علمه القرآن الكريم.
تعليمه: عندما بلغ الشيخ أحمد السابعة من عمره، أرسله جده الى العالم حما بركى سنغرى فى قرية لردى بال ( BALI LARDE) حيث قرأ عليه القرآن الكريم، ثم بدأ فى حفظه، ولكن الشيخ انتقل الى جوار ربه قبل أن يتم الشيخ أحمد حفظه للقرآن الكريم، مما حدا الشيخ أحمد أن يرتحل الى الشيخ سمبا حمدى باما، وأتم عنده حفظ القرآن الكريم، وكان عمره عند ذلك الوقت حوالى ثلاثة عشرة سنه. ثم انتقل الى شيخ آخر، ودرس عليه تفسير القرآن الكريم وغيره من العلوم الشرعية، ثم سافر الى قرية رندى سرو، وهى قرية من مدينة "جنى وجنور" مركز العلم والعلماء. وكان أول حاكم لها جنيور، وكان الشيخ يذهب الى مدينة "جتى" يومياً لحضور دروس العلم لدى شيوخها، وبخاصه دروس الشيخ كبرا فرما الذى ارتفع صيته بين أقرانه وقد لازم الشيخ المذكور ملازمة طويلة، وتلقى عنه العلوم الشرعية واللغوية والطريقة القادرية وصار داعية لها.
بداية المواجهة بينه وبين الحكام:
ولما أكمل الشيخ دراسته فى مدينة "جنى" رجع الى قرية تسمى (رودى) ورأى ما عليه مجتمعها من الفساد والعادات السيئة المخالفة للشريعة الإسلامية، وسكوت العلماء عنها، بدأ الشيخ فى إنكارها باللسان، وبعد فترة كثر أتباعه وطلابه، ولما كثر إنكاره وأتباعه أمره أمير "جنى" بالخروج منها، أى بلاد جنى وكان ساكناً قريباً منها، وبخاصة عندما كثر إنكار الشيخ عليه فى سكوته على المنكرات المنتشرة فى الدولة، وخرج الشيخ إثر ذلك الى رندى سراً مع أتباعه وطلابه، وبدأت المواجهات بينه وبين أمراء الفلانين الذين تجبروا وصاروا يعتبرون كل من كان فى أرض ماسينا عبيداً لهم وكانوا يأخذون أموالهم قهراً وجبراً، وكل من أساء إليهم يهدرون دمه. وصاروا يسيئون معاملة أتباع الشيخ وطلابه. ولما كثر الإيذاء من أمراء الفلانين وحكام سيغو، امتنع الشيخ من إرسال الجزية الى حكام سيغو – الذى كان يحكم ماسنا فى ذلك الوقت – وجمع الحاكم قواته مع حلفائه من أمراء الفلانين من أمثال أرطو أمدو وجلاجو لمحاربة الشيخ، وكان الشيخ أحمد لا يرى الجهاد إلا بثلاثة شروط:
‌أ.    أن يهجم العدو على المسلمين.
‌ب.    أن يكون عدد المسلمين على نصف عدد الكفار.
‌ج.    الإذن من الإمام الكبير إن وجد.
لذلك أرسل رسولين الى الشيخ عثمان دنفوديو يطلب منه الإذن فى ابتداء الجهاد فى بلاد ماسنا، ولكن حاكم سيغو هاجمه قبل رجوع الرسولين، وذلك فى يوم 21/3/1818م فى نكوما. وهزمهم الشيخ بإذن الله مع قلة عدد المقاتليه، ثم كانت بينهم المعركة الثانية فى يوم 2/4/1818م، والثالثة فى يوم 12/5/1818م حيث هزمهم الشيخ فى كلتا المعركتين يعنى أن الشيخ استطاع خلال شهرين إلحاق الهزائم المتكررة ضد التحالف، ثم واصل الشيخ جهاده حتى سيطر على "جنى" وتنبكت، وعلى أجزاء من بلاد البامبارا، ويذهب البعض الى أن الشيخ أحمد لبو كان من قادة عثمان، وكان يعمل فى أرض سنغى بحوض النيجر من قبل شيخه عثمان.
ولكن لو نظرنا الى سنة ابتداء جهاد الشيخ أحمد 1818م نجد أنه كان بعد وفاة الشيخ عثمان (عام 1818م)، مما يدل على أن جهاده ومراسلاته كان فى عهد محمد بلو بن الشيخ عثمان. ويذهب البعض الى أن الشيخ أحمد قد ذهب الى سكتو وشارك فى الجهاد مع الشيخ عثمان، وكان من حملة الألوية فى جيشه. ولما أتم الشيخ جهاده رجع الشيخ عثمان أحمد لبو الى ماسنا متزعماً لحركة إصلاحية دينية. ولكن لو رجعنا الى إنفاق الميسور لمحمد بلو ومؤلفات عبدالله دنفوديو، لم نجد للشيخ أحمد لبو ذكراً وخاصة قد قيل إنه كان من حملة الألوية مما يؤكد الفكرة القائلة بأنه لم يشارك فى الجهاد مع الشيخ عثمان، ولكنه كان يتبعها روحياً، وكان بينهم مراسلات علمية.
تكوين الدولة:
وبعد أن دحر الشيخ أحمد البنبارة وحلفائهم، أخذ لقب الإمام، وكذلك أمير المؤمنين، وخاصة بعد رجوع الرسولين من سكتو بإذن الجهاد، وأراد الشيخ أن يؤسس دولة إسلامية تحكمها الشريعة الإسلامية، وكان لا بد من اختيار موضع العاصمة على بقعة قريبة من نهر النيجر، ومرتفعة قليلاً، وفى مأمن من اخطار الفيضان، وفى عام 1819م خطت المدينة، وشرع فى بنائها، وقد استمر البناء حوالى سنة. ولما انتهى من بناء عاصمته (حمدالله) قسمها الى احدى عشر حياً، وجعل لها خمسة أبواب، وأحاط المدينة بسور ضخم، وبنى فى وسطها مسجداً، وجعل لكل حى من احيائها سوقاً، مع السوق المركزى فى وسطها، وجعل لكل سوق مشرفاً على جودة السلع، ولما فرغ الشيخ أحمد من بناء عاصمته، جمع جلَّ علماء بلاده لإستشارتهم فى كيفية تنظيم الدولة وإدارتها وقال لهم : "لا أريد ان احكم البلاد لوحدى، ولابد من مساعدة الآخرين ولابد من إجتماع الكل واتحادهم لتكون الدولة الجديدة أكثر تنظيماً". وطلب منهم أن يقدموا له مشروع الحكم، وبعد أشهر قدم اليه العلماء المشروع، وكوَّنوا مجلساً للشورى (MAWDOU BATOU)، أى مجلس الكبار، وهو مكون من أربعين عالماً.
وفــــــــاتــــه: بقى أحمد بلو بن عثمان طريح الفراش لمدة سبعة أشهر بسبب مرض ألم به، ثم توفى رحمه الله تعالى يوم الخميس وقت العصر، يوم الخامس والعشرين من شهر رجب سنة 1253/1837، وعمره لا يتجاوز ثمانى وخمسين سنة، واستمرت مدة خلافته عشرين سنة.
حياة الحاج عمر الفوتى:
اسمه الحقيقى هو: عمر بن سعيد تال ولد بين سنتى 1794 – 1795 وتنقسم حياته الدينية والسياسية الى ثلاثة مراحل هامة وتشتمل كل مرحلة من المراحل المذكورة على ما يقرب من عشر سنوات. أما عن العشرة الأولى من حياة الحاج عمر فهى التى تمتد ما بين 1837 – 1847، وخلالها حج وزار مناطق كثيرة من الحجاز وهو ينضوى تحت لواء الطريقة الصوفية (التيجانية). وبعد رجوعه من الحجاز عبر مصر استقر الحاج عمر ما يقرب من سبع سنوات فى فوته جالون (بغينيا) بعد أن كان قد أقام مدة قليلة فى سكوتو (نيجيريا)، وخلال العشرة الثانية من حياته الدينية والسياسية (1846 - 1854) رجع الى مسقط رأسه فى حوض السنغال وأعلن الجهاد ضد الوثنية المحلية وهاجر خلال الفترة نفسها الى دنقراء لمدة من الزمن وانعزل عن الناس يبتهل ويتأمل ممتنعاً عن الأكل والشراب ثم استأنف جهاده ضد الوثنية.
أما عن العشرة الثالثة والأخيرة من حياة الحاج عمر فهى تمتد ما بين سنتى: 1854 – 1864 وتعتبر هذه المرحلة من أهم مراحل حياته السياسية والدينية بحيث نظم خلالها ما عرف فى تاريخ حياته: (بالمسيرة الكبرى) التى اتجهت فى أول امرها نحو نيودو وحمدالله ثم عرجت نحو المناطق الهامة فى السودان الغربى حيث هزم قبائل المبارة فى مدينة سيغو.
ولم يوقف حركة الحاج عمر هذه هى سوى المد الإستعمارى الفرنسى فى غرب إفريقيا السوداء الذى بلغ أقصاه فى أواخر سنة 1865 ومات الحاج عمر عن عمر ناهز السبعين سنة.
ثم قال: كانت الثورة التى أعلنها الحاج عمر على مملكة ماسينا الوثنية هى السبب المباشر لقيام مملكة التكرور الحديثة فى القرن الثالث عشر (هـ) وحسب الوثائق التى كتبها الحاج عمر بيده أو تلك التى كتبها المقربون منه فقد كان الهدف الأول من الثورة التى أعلنها فى غرب إفريقيا فى بداية 1854 هو إخضاع الوثنية المحلية لمبادئ الإسلام الحقيقية.
ترجمة ألفا هاشم:
هو محمد هاشم بن محمد الفوتى المالكى المدنى المشهور بــــــــــ(ألــــــــفا هاشم) ولد ببلدة (حلوار) بغينيا، نشأ شغوفاً بالعلم بارعاً فى الحفظ وعنى به والده وأنفق على تعليمه بسخاء فتفرغ للدراسة على علماء وعندما غزا الفرنسيون بلاده هاجر الى الحجاز عام 1322هجرية ودرس فى الحرم المكى الى عام 1326هــ ثم انتقل الى المدينة المنورة وأقام فيها حتى أصبح أحد علماء المسجد النبوى وكان عالماً فى الفقه وأصوله والحديث والبلاغة والتفسير وغيرها من العلوم وكانت له ذاكرة عجيبة ويروى أنه كان اذا استفتى فى أمر قال لأحد طلابه افتح الكتاب فى صفحة كذا وأنظر صفحة كذا وكذا تجد الإجابة فإذا هى كما قال وكان الملك عبدالعزيز يثق به ويأخذ بفتواه ويقدمها على فتاوى الآخرين وقد عينه عضواً فى مجلس الشورى درس على يديه أعداد كبيرة من طلاب العلم الذين جاءوا الى المدينة من مختلف أنحاء العالم  وصار بعضهم علماء مشهورين منهم الشيخ حسن المشاط والشيخ سعيد بن صديق الفتوى والشيخ عبدالرحمن بن يوسف الإفريقى وهم من علماء المسجد الحرام والشيخ حسين باسلامة المكى والأستاذ محمد حسين زيدان وغيرهم كثير جمع الشيخ ألفا هاشم مكتبة فى بيته تحوى نفائس الكتب والمخطوطات النادرة وبعد وفاته نقلت الى إحدى الأربطة ثم بيعت كما أن له مؤلفات مخطوطة لم تطبع وضاع معظمها بعد وفاته ظل الشيخ محافظاً على علمه يفتى الناس حتى آخر حياته ويروى أنه قبيل وفاته بقليل جاءه رجلان يطلبان الفتوى فى قضية وقد إشتد به المرض فسمعها منهما وقال لخادمه افتح الكتاب كذا صفحة كذا وأخبرهم وما لبث أن فارق الحياة وقد شيعه أهل المدينة وعلى رأسها أميرها عبدالعزيز بن إبراهيم.
الفولانيين والثورة المهدية:
أورد نعوم شقير فى: (جغرافية وتاريخ السودان، ص:940) أن الإمام محمد أحمد المهدى لكى يوحد أهل السنة تزوج من أكبر أربعة قبائل كان من بينها قبيلة الفلان إذ تزوج ابنتها عائشة بنت إدريس أم المؤمنين، (ثم مريم الملقبة بالمقبولة والدة السيد عبدالرحمن المهدى)،  التى قادت بعد وفاته حركة مقاومة سرية ضد الإنجليز امتد أثرها من مدينة أم درمان حتى ضواحى سنجه فى جنوب النيل الأزرق وما ورد عنها فى مدونات الإستعمار يعكس نشاطها ترصد تحركاتها وسط المواطنين كما أورد شقير – أيضاً – ص: 1316، إن قبيلة الفلان كانت تتولى مهمة القيادة العسكرية لجيوش المهدية وذلك لإسناد أمانة الجبخانة الأمين الفوتاوى وهو الشخص الذى تتلمذ وتربى على يده محمد بن عمر التونسى كما ذكر فى كتابه: (تشحيذ الأذهان بسيرة بلد العرب والسودان).
تولى كل من آدم الأعيسر وحامد الفيض أمانة بيت المال فى المهدية كما هو مسجل أمام اسمهما فى متحف الخليفة وهما من الفولانين.
لقد ركَّز الإمام محمد أحمد المهدى سلطة القضاء فى يد العلماء من رجال قبيلة الفلان كما هو مسجل بمتحف الخليفة نذكر منهم:
1.    القاضى أحمد عمر أبوحوه بالشمالية.
2.    القاضى أحمد السنوسى مدنى الفلانى بدارفور.
3.    القاضى يس أبو أم دلال.
4.    القاضى أحمد عمر الإمام.
إن اولى خطابات مبايعة للمهدى كان منها خطاب الشيخ حسن جمعة يوسف زعيم الفلانى وشيخهم بدارفور بتاريخ 29 ربيع الثانى 1300هـــ الموافق 1880م هناك نص للخطاب ورد فى مقال الدكتور محمد الأمين  حول العلاقات السودانية النيجيرية فى إطار المهدية، ص (64 - 65)، مجلة دراسات إفريقية – جامعة إفريقيا العالمية العدد الثامن 12/1991م، وكان الخطاب رداً للخطاب المرسل له من الإمام محمد أحمد المهدى وذلك لما يتمتع به من نفوذ واسع بين قبيلته والقبائل المجاورة لها فى دارفور.
فى موقعة الغار الشهيرة بالجزيرة أبا ليلة السابع عشر من شهر رمضان 1301هـ الموافق 12/8/1881م فقد استشهد من بين الإثنى عشر مجاهداً مع الإمام المهدى سبعة من رجال قبيلة الفلان وكما هو مكتوب فى داخل الغار أن اول من حمل المهدى على ظهر حصانه ثلاثة من رجال الفلان وهم: آدم الأعيسر وحسين جمعة وعبدالله ولد نافع.
أعدم الأتراك الشهيد عبدالباسط أبوجنزير حفيد الشيخ عاشور محمد لادن شنقاً حتى الموت بعد أن قاد حركة مقاومة ضدهم عام 1882 وقبره الآن مسمى عليه ميدان أبوجنزير فى الخرطوم.
ومن حملة رايات المهدية وأمرائها، هؤلاء الرجال من قبيلة الفلان علماً بأن أسمائهم مسجلة بمتحف الخليفة بأم درمان، وكذلك غار الإمام المهدى غرب الجزيرة أبا (راجع ملحقات وثائق ماجستير... فى دار فلاتة بجنوب دارفور – سليمان يحيى، ص:190 - 194). وهم:
الأمير الطيب سالم عمر.
الأمير النخلى ودعبدالله.
الأمير أحمد ود اللحو المكنى بالحمى.
الأمير موسى ود إدريس.
الأمير الضو ود الخوجة.
الأمير أبو البشير أبو سم.
الأمير سالم الكوكاب.
الأمير الشيخ ودالحاج إمام.
الأمير المنوفلى، المكنى بأبى ظروف.
الأمير أحمد شطة.
الأمير بشارة ود سيد الدور.
الأمير همة الدركة آدم الدلا.
الأمير حماد الكلعوت.
أما كررى التى شهدت أعظم وأشرف معركة خاضها الشعب السودانى ضد الطغاة فكانت تقع خلفها من الجهة الجنوبية الغربية حظائر قطعان بعض أسر الفلان  وإندلاع المعركة كانوا فى قلبها واستشهد الكثيرون منهم نخص منهم بالذكر: الإمام أبارو الذى عثر على جثمانه وهو قابض على سيفه المحتفظ به حتى الآن لدى احفاده بالعباسية أم درمان، وكذلك الإمام أحمد قدح العشا، الملقب بقدح الدم (عندما رأه الخليفة عبدالله وهو مضرجاً فى دمائه قال قولته: أنت اليوم قدح الدم).
محمد الفكى الدادارى:
هو محمد الفكى الدادارى، عالم فولانى من شمال نيجيريا، ومن تلاميذ الشيخ عثمان دان فوديو فى سكتو. يقال أن الشيخ عثمان دان فوديو قد بشَّره بأن سيكون وزيراً للمهدى المنتظر الذى سيظهر فى الشروق. ويبدو أن هذه القراءة المستقبلية لأحداث التاريخ قد اختمرت فى ذهنه، وحفزته على شد الرحال الى بلاد السودان الشرقى، (اى جمهورية السودان الحالية). ويرجح الرأى انه قد عمل مستشاراً للزبير باشا رحمه الله فى دارفور، وهو احد العلماء الذين توسَّطوا له ليفرج عن عبدالله بن محمد تورشين (لاحقاً الخليفة عبدالله) الذى بشَّر الزبير باشا بأنه المهدى المنتظر. ويبدو ان هذه القضية واحدة من القضايا التى وثقت الصلة بين الخليفة عبدالله، والفكى الدادارى. وكان الفكى الدادارى من أوائل العلماء الذين خاطبهم المهدى وحثهم على الهجرة الى قدير. واستجابة لهذه الدعوة انضم الفكى الدادارى الى صفوف المهدية فى مرحلة الثورة على الحكم التركى، وأضحى تدريجيا من ذوى القدح الراسخ، والباع الطويل فى تصريف أمور الدعوة والدولة. لذلك نجده قد لعب دوراً محورياً فى تنصيب الخليفة عبدالله التعايشى بعد وفاة المهدى فى أم درمان عام 1885م. لمزيد من التفاصيل عن سيرة الشيخ محمد الدادارى وعلاقته بالمهدية، انظر: جون هنوك وآخرون:
John O. Hunwick, etal. "Between Niger and Nile: New Light on the Fulani Mahdist Muhammad Al-Dadari". Sudanic Africa. Vol.8, 1997, pp85-108.

حاشية: عودة الى تصريح والى سنار:
عبر الفلانين عن حبهم للغة العربية التى ولدت حية وناضجة وعاشت فى ضمير الإنسانية ووجدانها سحراً يلقى على الناس بياناً، ومدرسة تهبهم علماً ومعرفةً منذ أن دوَّن الأعشى بقوائم ناقته ترحاله فى البيداء، وأشعل عنتر أدهمه كراً وفراً فى ميادين البطولة وأسمع به المتنبئ الأصم، عبوراً الى بحور المداد التى أودعت علوم المسلمين جبالاً من كتب العلوم والمعارف. لقد شارك الفلانين بإمتياز فى معركة المحافظة على اللغة العربية، وكانوا أساتذة هذه اللغة فى ستينات وسبعينات وثمانيات هذا القرن فى ولاية سنار وغيرها مروراً بالشيخ مولانا أحمد القاضى أستاذ اللغة العربية فى مدرسة المسيد والفاشر الثانوية وهو خريج معهد أم درمان العلمى، ثم خريج الأزهر الأستاذ حسن ابراهيم مدرس اللغة العربية فى سنار الثانوية بنات والجنينة الثانوية ثم الأستاذ عثمان عبدالقادر خريج الأزهر ومدرس اللغة العربية فى سنجة الثانوية، ثم أستاذ الأجيال محمد ابراهيم عبدالقادر (الأعراب) أستاذ اللغة العربية فى سنار الثانوية والأستاذ أحمد عمر تيجانى والأستاذ ابراهيم صديق والأستاذ محمد أحمد القاضى ثم الأستاذ فؤاد الأمين، والأستاذ عمر أيوب. وكل هؤلاء كانوا أساتذة للغة العربية فى الثانويات، ثم الدكتور محمد صالح حسين، ثم البروفسير بابكر حسن قدرمالى عميد كلية الآداب جامعة إفريقيا العالمية دون أن يفقدوا الصلة بلغتهم الأم، لأن أى لغة من اللغات تحمل تراثاً وإبداعياً يوسع نطاق تنوعنا الثقافى والإبداعى، على سيادة والى سنار أن يتواضع لإحترام الخصوصيات الثقافية للآخرين وتأمين شروط بقاء هذه الثقافات ونموها. فأبناء هؤلاء الأساتذة الأجلاء لا يمكن أن يكونوا قد ساهموا فى تدهور التعليم فى ولايته كما ذكر لأن علماء التربية يذكرون أن الأطفال الذين يتحدثون بأكثر من لغة هم الأقدر على التعلم فكفا إقصاءاً وتهميشاً لأبناء الفلانى فى الوظائف الحكومية والدستورية فى ولاية يشكلون أكثر من ثمانين فى المائة من سكانها عدا منصب دستورى يتيم هو معتمدية السوكى.

المراجع:
•    تشحيز الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان للتونسى
•    إمبراطورية بورنو الإسلامية للدكتور ابراهيم طوخان.
•    تعريف العشائر والخلان بشعوب وقبائل الفلان لألفا هاشم الفوتى.
•    تاريخ السودان للنعوم شقير.  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق