الخميس، 21 أبريل 2016

عبد الله ولد أربيه .. رجل من شنقيط! .. الأديب السوداني الراحل الطيب صالح

كان هذا الانسان النادر المثال، من عباد الله الذين وصفهم في كتابه العزيز بأنهم يمشون على الأرض هونا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما. وكان رحمه الله من أكثر من عرفت من خلق الله ورعا، المصحف لا يفارقه حتى في أحلك حالات مرضه في الدوحة وباريس. 

تدخل عليه غرفته في المستشفى فتجده قائما يصلي أو مكبا على القرآن، يقوم من سجادة صلاته، ويبتسم لك ابتسامته العذبة الودود، وأنت تلعم أن المرض منيخ عليه بكلكله ويقول لك، كأنه يوصل حديثا لم ينقطع بينك وبينه، متصنعا لهجة مصرية خفيفة، اكتسبها من إقامته في القاهرة أيام كان سفيرا بها : "أيوه عامل ايه؟".
كان فخورا جدا أنه مثل بلاده في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وأنه كان أول سفير لموريتانيا في مصر. وفي داره صورة كبيرة له وهو في ثيابه الموريتانية الفضفاضة الجميلة وهو يقدم أوراق اعتماده.
لقد طرقه مرض عضوض منذ ما يقرب من سبع سنوات، فتقبله صابرا مستسلما لقضاء الله وقدره. يرعاه دون كلل الدكتور عثمان السعيد أطال الله عمره.
زرته في المستشفى في باريس منذ أربعة أشهر في رحلته الأخيرة للعلاج، فوجدت أثار الصراع مع المرض بادية عليه. ولكنه قال لي مبتسما بعينيه المتعبتين :" هذا المستشفى اسمه وديه بالفرنسية تعني الله، فأنا في ضيافة الله، وهو أكرم الأكرمين". 
تذهب لتعوده فتجده كيفما تجده، ولكنه سرعان ما يستجمع أشتات نفسه، ويملك زمام أمره، فتخرج من عنده وقد سري عنك، وانشرح صدرك، وتوقد ذهنك من طرفة أو نادرة وتعلمت شيئا لم تكن تعرفه، حتى وهو على تلك الحال.
أهل موريتانيا من أقوى العرب ذاكرة وأشدهم حفظا، وكان عبد الله ولد أربيه رحمه الله من مشاهير الحفاظ في موريتانيا، يحفظ القرآن والحديث والفقه وغرائب مفردات اللغة وشرائد القوافي. لذلك حين كنت تجلس معه فكأنك تجلس على حافة نبع صاف لا ينضب. 
نشأ في البادية في نواحي بتلميتْ، جنوبي شرقي نواكشوط في أسرة كل من فيها يقرأون يكتبون ويحفظون، رجالا ونساء. وذلك شأن الكثيرين من أهل موريتانيا. والعلم عندهم في البادية، وليس في الحضر. فكان عبد الله رحمه الله يقول "فلان من خيمة علم"، ولما جاء السفير الموريتاني الحالي إلى الدوحة قال لي "هذا ابن الشيخ ماء العينين، هؤلاء أصحاب خيمة علم كبيرة".
عرف البادية وأحبها، عرف ناسها وحيوانها وجمادها وأشجارها وجبالها وأوديتها، لذلك فانه كان يستجيب للشعر العربي القديم بكل جوارحه، منفعلا بالأوصاف والأحاسيس والبيئات العربية قبل الاسلام وبعده، كأنه عايشها حقيقة. وكان يؤثر شاعرا لا يستسيغ شعره إلا قليلون هذه الأيام لصعوبته، ذلكم هو ذو الرُمة. كثيرا ما كانت تدمع عيناه وهو يستذكر شعر ذي الرمة، مثل قوله :

كأنا وميا بعد أيامنا بها
وأيام حُروى لم يكن بيننا وصل
ولم يتربع أهل مي وأهلنا
أجارع لم تغرس بحافاتها النخل

ماكان ذو الرمة من الشعراء المفضلين لدي، ولم أكن أحفظ له إلا أبياتا متفرقة مثل بيته الشهير :

تمام الحج أن تقف المطايا 
على خرقاء واضعة اللثام 


ولكن عبد الله رحمه الله حببني فيه، وكان يذكرني دائما بقول القدماء، أن ثلث اللغة العربية في شعر ذي الرمة.

تقلد عبد الله مناصب عليا في الدولة، فكان سفيرا، وكان واليا، وكان مديرا للمراسم، وكان رئيسا للديوان لدى رئيس الجمهورية. لكنه كان زاهدا لا تزدهيه المناصب ولا يغره الجاه. وقد عرض عليه مدير عام اليونسكو أحمد مختار امبو، الذي كان أستاذا له في موريتانيا ومحبا له، أن يعينه ممثلا لليونسكو في دول المغرب العربي فأبى، وطلب مني أن أحاول اقناعه فقال لي :" أولا أنا سعيد بحياتي هنا في الدوحة وعملي في هذا المكتب، وثانيا أنني توسطت لدى امبو أن يعين شخصا آخر هو أحوج مني، لانه ليس سعيدا في باريس". ومع أنه كان وثيق الصلة بامبو فإنه لم يطلب منه أي شيء لنفسه، بل كان دائما يتوسط لغيره.
كان يرى، بمنطق الزهاد، أن أشياء كثيرة في هذه الحياة لا قيمة لها، وكانت جملته المفضلة :"يا أخي على ايه؟" تستقبله في المطار، فيقول لك ضاحكا :" يا أخي على ايه؟ ليه اتعبت نفسك؟". تعوده في المستشفى فيقول لك :"يا أخي بس على ايه؟".
ولما وصلت الدوحة وجدته يسكن شقة رثة في عمارة متهالكة، ظل راضيا بها منذ جاء. مع أنه كان قائما بأعمال الممثل الاقليمي فترة طويلة قبل وصولي. فكلمته في أمر تغييرها، فقال لي ضاحكا كعادته "يا أخي على ايه؟ الشقة دي مالها؟" ولم أستطع اقناعه إلا بصعوبة. ولكنه رفض بتاتا أن يغير "الطاولة" في مكتبه وقال لي إنه تعود عليها.
لما خرج من المستشفى في باريس، وكنت أحضر المؤتمر العام لليونسكو، كنت أزوره في الفندق الذي يقيم فيه، وأخرج به في جولات قصيرة في الشوارع المحيطة بالنزل، تحدثنا مرة عن اجراءات التقشف في اليونسكو وخوف الموظفين من فقدان وظائفهم، فقال ضاحكا :"يا أخي هم خايفين الزمن ده ما في حد حد يموت من الجوع، ناس كثيرين بيلموا طعام ويبحثوا على ناس يؤكلوهم زي ما بيعملو في اثيوبيا، لا بد أننا سنجد حد يؤكلنا". 
كان بسيطا جدا ومتواضعا حتى في موته، لا يريد أن يشغل إلا حيزا صغيرا من الفراغ ولا يريد أن يسبب إلا أقل عناء للآخرين. 
أنهكه المرض طوال الشهر الذي قضاه في غيبوبة في المستشفى، فضمر جسمه، وكان خفيفا جدا حين حملناه إلى مثواه الأبدي بين المغرب والعشاء، ولما وسدوه لحده نظرت إليه فإذا هو يشغل حيزا صغيرا من ذلك الفراغ العريض، تركناه مؤتنسا بربه في تلك الوحشة انشاء الله. وقد ودعناه الوداع الذي ما بعده وداع، وكأنني سمعته يقول ضاحكا :"يا أخي على ايه؟ ليه اتعبتو نفسكم؟". 
انصرفنا صامتين في العتمة بين النور والظلام، درويش الفار أطال الله عمره وأنا، يتوكأ علي وأتوكأ عليه. ونظرت إليه فإذا عيناه تذرفان، فقد كان صديقا محبا له.
رحم الله عبد الله ولد أربيه، كان انسانا فريدا نسيج وحده بحق وحقيق. كان كذلك رحمه الله. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق