الخميس، 20 أغسطس، 2015

الرق في موريتانيا بين التاريخ والميثولوجيا والفقه/ الحسين ولد محنض




الباحث والمؤلف والكاتب الصحفي/ الحسين ولد محنض

تعود أصول أقدم رقيق يحتفظ بها التاريخ في موريتانيا إلى قبائل إيزگارن التي استوطنت بلاد شنقيط وأحواز بلاد درعة قبل سبع آلاف سنة من الآن. وساكنت في هذه الربوع إخوتها إيرناكن، وقبائل گنار، وأغرمان، وبافور، وبني وارث الذين تعرف بقيتهم اليوم في الموروث البيضاني بأواش، إضافة إلى قبائل كنگاره السوننكية قبل قدوم صنهاجة وقبل مقدم الإسلام، حيث مثلت هذه القبائل المختلفة روافد مهمة للاستعباد الذي عانت منه من قبل بعضها البعض، ثم من قبل قبائل صنهاجة التي بدأت نزحتها اتجاه الصحراء الشنقيطية مع مستهل العهد المسيحي، ولم تزل تتوغل فيها إلى أن استكملت السيطرة عليها خلال العهد المرابطي (القرن 5هـ/ 11م).

ا
وقبائل إيزگارن قبائل بربرية غلب على بشرتها الاحتراق، فأطلق عليها اليونانيون الذين احتلوا قرطاج قبل مقدم الفينيقيين اسم الاتيوبيين (الحبشيين)، ومعناها عندهم "ذوو البشرة المشتعلة". وقد كتب سيلاكس في القرن4 قبل الميلاد عنهم فعرفهم بأنهم السكان المجاورون لجزيرة سرنه (بوادي الذهب)، ووصفهم باسترسال شعر الرأس واللحية، وذكر أنهم من أجمل الناس، وأنهم طوال القامة، وأن قاماتهم تصل في أقل تقدير إلى أربعة أذرع. ويذكر اگزيل أن لاتينيين كتبوا في بداية العصر الميلادي من أمثال ميلا وبلين وبطليموس أشاروا إلى اتيوبيين (حبشيين) وصفوهم بالبياض في الصحراء، ولا يريدون بذلك أن بياضهم ناصع، بل يريدون أن ألوانهم خلاسية تتميز عن ألوان الزنوج الفحمية، فالزنوج سود والحبشيون محترقو البشرة أو حمر. وهم الذين أرادهم الشيخ محمد المامي بإطلاقه في كتابه جمان البادية على هذه البلاد اسم البلاد النجاشية، ويعرفون في اللغة الصنهاجية باسم إثگرن (إيزگارن بالحسانية) التي تعني الحمر أو محترقي اللون، وهو نفس ما تعنيه كلمة الاتيوبيين (الحبشيين) عند اليونانيين. وقد مثلت قبائل إيزگارن شأنهم في ذلك شأن إخوتهم إيرناكن أول روافد الاستعباد المعروف في هذه البلاد، فقد اصطدمت قبائل إيزگارن بأفواج صنهاجة الأولى التي قدمت إلى بلاد شنقيط مستهل العهد المسيحي، وما زال صدى استعباد إيزگارن موجودا في التقاليد المروية للبيضان حتى اليوم فيقولون: "آزگير اعبيد" كان يراد به العبد المنحدر من إيزگارن، ثم أصبح يدل على العبد الأحمر مطلقا، ويرتبط في ميتيولوجيا البيضان بصفات قدحية.
وإيزگارن وإيرناكن هؤلاء هم الذين أعطوا اسم الحراطين المعروف اليوم حيث اشتهروا في بلاد شنقيط بممارسة الزراعة، فكان من يمارس الزراعة منهم في الوديان وفي الواحات يدعى بالحراطين (أهرضنن) اسمهم البربري المشتق من نحلتهم، فمعنى الأهرضنن (الحراطين) الذين يزرعون البساتين، ولا يعرف ما إذا كان اشتقاقها بربرا صرفا أو دخيلا أصله الحراثون أطلقه عليهم العرب الفاتحون. وتستخدم كلمة الحراطين في لغة البيضان اليوم للدلالة على الأرقاء السابقين، لأن العبيد في الغالب سود، وكذلك حراطين إيزگارن وإيرناكن الذين مروا بعمليات تهجين مختلفة مع البيض القادمين من الشمال والسود القادمين من الجنوب، وفارقوا حمرتهم مع الزمن لصالح السواد، فتغير مفهوم الحراطين خلال العصر الوسيط لينسحب على كل أسود حر من المجتمع الضنهاجي –فلا يدخل الزنوج- وصار كل عبد ينال حريته يصبح حرطانيا على هذا الأساس. وقد تكلف البعض لكلمة "حرطاني" (أهرضنن) التي سبقت الهجرة الحسانية إلى بلاد شنقيط معنى حسانيا فجعلها محرفة عن "حر ثاني" أو "حر طاري".
وقد انتشر هؤلاء الحراطين في المناطق الصالحة للزراعة جنوب وغرب آدرار، وبنوا عددا من السواقي العجيبة تشبه السواقي التي كان حراطين زناتة يبنونها في سجلماسة في تلك الفترة، وتسمى هذه السواقي بالصنهاجية أوچگن، ومنها اسم قرية آوليگات الحالية (70 كلم شرقي انواكشوط) التي كانت من سواقيهم، أصلها أولگن (النطق الحساني لأوچگن) كما ذكر ابن أحمد يوره في كتابه الآبار بقوله: "أوچگن [التي هي آوليگات] جمع أوچگ لأن هنالك قليبا من حفر السوادين الأول، منها موضع الساقية التي احتفروها قديما وأطلعوا منها الماء فصار يغترف منها القائم والقاعد بلا حبل ولا دلو، ثم لعب بها الزمان ومشى عليها فلم يبق منها أثر ولا عثير". وكان لهؤلاء الحراطين مزارع كبيرة في المنطقة منها مزرعة اندوگچن (اندوگلي) الواقعة إلى الشرق من آوليگات، اشتق اسمها من البساتين. وأما ما كان إلى الغرب من آوليگات فلم يحرثوه، وأطلقوا عليه اسم آمكرز، ومعنى آمكرز في اللغة الصنهاجية الأرض التي تسبب الندم لمن يقوم بحراثتها.
وذكرت المراجع الوسيطة هؤلاء الإيزگارن باسم الزغرانيين، وأطلق عليهم بنو حسان اسم الحمر أو الحمريين. ولم يزالوا معروفين في بلاد شنقيط باسمهم السلالي (إثگرن) حتى عهد قريب، حيث ذكرهم البرتغالي فرناندس -الذي تحدث عن البلاد في ما بين 913هـ و914هـ/ 1506م و1507م- كإحدى الفئات الثلاث التي يتكون منها المجتمع الشنقيطي آنذاك (العرب، أزناگه، إثگرن).
وكان المذهب الأباضي أول مذهب إسلامي يصل إلى بلاد شنقيط، وصل إليها خلال القرن الثاني للهجرة عن طريق مجموعات التجار التياهرتيين الذين كانوا يجوبون المنطقة، وعن طريق فصائل من قبائل هوارة نزحت إلى البلاد فكانت قبائل إيزگارن كما قال ابن حوقل (تـ378هـ/ 988م) ممن اعتنق هذا المذهب الأباضي.
ومع أن إيزگارن كانوا مزارعين في الأصل فقد شاركوا في تسيير التجارة في أودغست التي كان إيزگارن قد استوطنوها قبل مقدم صنهاجة وبين أودغست وسجلماسة، وبين أودغست وبافور آدرار وأهل گنار، كما سيروا مع إخوانهم من أباضية تياهرت التجارات إلى غانه والتكرور عبر آدرار، وقاموا بالتعاون مع قبائل أغرمان وبافور المحلية ببناء مدينة آبير بآدرار حوالي سنة 160هـ/ 777م سنة قيام الدولة الرستمية الأباضية بالمغرب الأوسط، وقد فر إلى آبير منهم خلق بعد سقوط أودغست في أيدي صنهاجة اللثام، كما أسسوا قرب أطار على طريق القوافل مدينة الكلاب التي أطلقوا عليها اسم تياهرت (=تاهرت)، تيمنا باسم عاصمة الدولة الخارجية الأباضية التي قامت على يد الرستميين بالمغرب الأوسط سنة 160هـ/ 777م، كما أطلقوا هذا الإسم أيضا على قريات متفرقة من بلادهم، أغلبها يقع على طريق القوافل، ضمن النطاقين البافوري والگدالي. وقد جرى تفصيح نطق تياهرت لدى البيضان إلى اسم تيارت المعروف حاليا. ومن وقوع تياهرت (=تيارت) على طريق القوافل اكتسبت كلمة تيارت عند البيضان مدلولها اللغوي الحالي الذي يعني الطريق.
واستنزفت الحروب إبان العهد الصنهاجي الذي سيطرت خلاله قبائل گدالة ولمتونة ومسوفة على المسالك التجارية الصحراوية في بلاد شنقيط كثيرا من هذه القبائل ومن غيرها من الزنوج، قبل أن تصبح هذه القبائل الصنهاجية بدورها وقودا لرقيق الفتح الإسلامي عندما تمكن الفاتح العربي عقبة بن نافع بعد عودته إلى ولاية إفريقية سنة 62هـ (681م) من التوغل في بلاد السوس والصحراء وتدويخ قبائل صنهاجة اللثام وأسر أعداد كبيرة منهم. وبعده بنصف قرن جيش الفاتح عبيد الله بن الحبحاب سنة 116هـ (34-735م) الجيوش إلى منطقة السوس الأقصى والصحراء الشنقيطية فأثخنت في صنهاجة، وأصابت من السبي أمرا عظيما وظفرت بذهب كثير.
وتواصل بظهور الدولة المرابطية في منتصف القرن الخامس للهجرة (11م)  والفتوحات التي قامت بها جنوبا ، هذا الاستنزاف لرقيق السبي الذي كان شاملا لقبائل أواش وإيزگارن وأغرمان وبافور وگنار ومن وراءهم من قبائل گنگاره وسائر أصناف السوننكيين والسيرير وقبائل التكرور والفلان وظل صدى الاسترقاق المرابطي حاضرا في التقاليد المروية الشنقيطية، كما نقل العلامة محمد فال (اباه) بن عبد الله العلوي في إحدى فتاويه: "والذي كنا نسمع أن أبا بكر بن عامر لما فتح هذه البلاد أسلم بعض سودانها على يده، واسترق البعض، وامتنعت قبيلة ابسيرير من الإسلام، وعبرت النهر السينغالي وتمنعت هناك".
وبلغ استنزاف هذه القبائل ذروته مع السيبة التي ارتمت فيها البلاد عقب انهيار الدولة المرابطية التي لم تدم في الصحراء إلا عقودا قليلة، حيث عاشت هذه البلاد السائبة ثمانية قرون من الحروب القبلية والعرقية التي تميزت باسترقاق الرجال واختطاف الأطفال والنساء، وبيعهم كعبيد، ولم تتوقف هذه السيبة كليا –وإن تراجعت بقيام النظام الأميري في القرن 11هـ/ 17م- إلا مع مقدم الاستعمار مطلع القرن 20 م (14هـ).
وإلى جانب رافد الاسترقاق عن طريق الأسر في الحروب ظلت روافد الحصول على الرقيق بواسطة الاختطاف والبيع بدورها مستمرة، بل تفاقمت خلال العصر الوسيط لاسيما بين أوساط قبائل جنوب الصحراء السودانية التي كانت تعيش في نزاعات شبه دائمة فيما بينها، إما خطفا وبيعا لأبناء القبائل المتعادية معها، وإما لأبنائها هي نفسها أحيانا بسبب الفاقة والفقر المدقع، حيث كان هؤلاء المسترقون يمثلون عملة تبادل للحصول على السلع التي كان يأتي بها تجار القوافل من الشمال أو من مناجم ملح الصحراء الذي سيطرت على معادنه وقوافله مبكرا قبائل صنهاجة الكبرى الثلاث لمتونة ومسوفة وگدالة. "وكان السودان –كما نقل المختار بن حامدن- يبيعون في الملح ما يملكون من خيل وثياب  وحب وعبيد، وربما كانوا يبيعون أولادهم كما قيل". وتحدث الشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيدي المختار الكنتي عن غرض إضافي من أغراض بيع الأحرار في مكتوب له قال فيه: "إن كثيرا من الأحرار يختارون بيع أنفسهم وأولادهم لملك من الملوك أو ذي جاه ليحصل لهم بذلك من المرتبة والمنزلة والمال ما لا يحصل لكثير من الأحرار". ويحدث بسبب شدة الحاجة إلى المال والحماية لضمان العيش الكريم.
واستفحل رافد الاسترقاق بواسطة الخطف عندما تمكنت سفن البحرية البرتغالية سنة 1441م (845هـ) من أسر بيضاني وجدته شبه عار في منطقة انواذيب يقود جملا وفي يده عصا، ثم هاجمت مخيما بيضانيا فأسرت عشرات من ذويه.
وعادت البحرية البرتغالية إلى البرتغال ومعها أول دفعة من أسرى البيضان جلبتها معها كعبيد، وبحث الأمير البرتغالي هانري الملاح في جميع أرجاء البرتغال عن من يفهم لغة عبيده الجدد (الزناگية) دون جدوى.
وفي سنة 1443م (847هـ) سلح هانري الملاح سفينة جديدة تمكنت من أسر أربعة عشر أو خمسة عشر بيضانيا، تم جلبهم إلى البرتغال وبيعهم هناك كعبيد.
وعم الفرح أرجاء البرتغال التي اعتبرت هانري الملاح بمثابة إسكندر جديد، وأصدر بابا الفاتكان أمرا يكرم هانري الملاح الذي كان يأمر بتعليم الدين المسيحي للعبيد (البيضان) الجدد.
وتتالت بعد ذلك الحملات البرتغالية على البيضان فتم أسر المئات منهم في ما بين 1441م (845هـ)   و 1448/ 852هـ وبيعهم كعبيد في البرتغال، ثم انتهج البرتغاليون بعد ذلك نهائيا سياسة مسالمة البيضان وفتح خطوط تجارية معهم بعدما كادت تخلو الشواطئ والمناطق المحاذية لها من البيضان، وازدادت شراستهم في الدفاع عن أنفسهم للحيلولة دون اعتقالهم ونقلهم كعبيد إلى البرتغال. وعوضا عن الخطف أصبحت سفن البرتغاليين تستقبل نحو سبعمائة عبد أغلبهم سود يجلبون إلى سوق آركين كل موسم.
وحلت إسبانيا محل البرتغال في اختطاف بيضان الشواطئ واسترقاقهم حيث تحدثت وثيقة برتغالية بتاريخ 928هـ/ 1522م عن قيام أمير قبيلة انيرزيگ الشنقيطية، وكان يدعى بلاله (بتفخيم اللامين) باعتقال قراصنة إسبان كانوا يغيرون على الشواطئ، ويختطفون ما استطاعوا اختطافه من البيضان  لبيعه كعبيد في أوروبا، مضيفة أن البرتغاليين الذين كانوا يتجارون مع البيضان حاولوا أن يخلصوا الأسرى الإسبان الذين اعتقلوا بعد معركة دامية سقط فيها عدد من القتلى دون جدوى، ولم يلتفت بلاله (بتفخيم اللامين) إلى الإغراءات التي عرض عليه البرتغاليون كي يطلق سراحهم، حتى أغار غزو يقوده رجل يدعى گبورية على بلاله وخلص الأسرى.
وفي سنوات 956هـ-960هـ (1549- 1552م) تحدثت وثائق تجارية برتغالية أخرى عن معاناة الأهالي المستمرة في السواحل الشنقيطية من اختطاف أبنائهم ونسائهم من طرف القراصنة الإسبان، وذكرت إحدى الوثائق أن شيخ انيرزيگ وعد البرتغاليين سنة 1549م (956هـ) بأن يتحمل لهم عن الودايا ألف بقرة إذا حارب معهم ملك البرتغال القراصنة الإسبان.
وبعد الإسبان غزا التجار الهولنديون السواحل الشنقيطية، ومنها نقلوا أول دفعة عبيد تصل إلى أمريكا من إفريقيا، وصلتها يوم 3 أغسطس 1619م على متن سفينة رست في ميناء جيمس تاون بولاية فرجينيا وكانت تضم 20 عبدا. واستمر بعد هذه الحادثة تاريخ طويل من جلب عبيد هذه المنطقة إلى أمريكا، إلى درجة أن أليكس هيلي وهو أمريكي كان جده أحد مرابطي قبيلة كنته البيضانية يدعى عمر هاجر إلى گامبيا وولد له هناك ابن لقب بالكنتي تم اختطافه وبيعه كعبد لصاحب سفينة متجهة إلى أمريكا التي وصل إليها يوم 5 يوليو 1767م (8 صفر 1181هـ)، بعد تمرد قام به هو ورفاقه قتلوا خلاله بعض البحارة بينما قتل من العبيد أربعون. وكان هذا الكنتي الذي بيع في ميناء آنابوليس بولاية ميريلاند من نصيب سيد إقطاعي في فرجينيا. وقد تمكن حفيده أليكس هيلي من إعادة تجميع تاريخ جده والعبيد الذين جلبوا معه إلى أمريكا ومعاناتهم وأصدره في السبعينات في كتاب حمل اسم الجذور قبل تحويله إلى فلم شهير.
وتعرض الهولنديون لمنافسة قوية من طرف الفرنسيين والانگليز، فقد كانت مادتا العبيد والعلك في ذلك العهد حيويتين بالنسبة للتجار الأوربيين إلى درجة أدت إلى تصادم هذه القوى الأوروبية. وفي يوم 28 أغسطس 1678م (10 رجب 1089هـ) غزا الفرنسيون ميناء آرگين الهولندي وتمكنوا من احتلال قلعته. وأبرم الفرنسي ديكاس اتفاقية سلام مع والي القلعة الهولندي درلنكور مكنت الأخير من العودة بأمان إلى هولندا. غير أن ديكاس لم يحترم كل ما جاء في الاتفاقية فقام بنهب ما في القلعة، واستولى على مدافعها ثم أمر بهدمها. وقام  بأسر من وجد من البيضان في القلعة أو حولها، وكانوا نحوا من مائتين، ثم أرسلهم بعدما صفدهم في الاغلال كعبيد إلى أمريكا. وتم نقل هؤلاء البيضان على متن سفينة تابعة لشركة السينغال باتجاه سينت دومينگ. وفي الطريق تمكن عدد من البيضان من كسر قيودهم، ومن جمع عدد من الفؤوس والقضبان، ثم انقضوا بها قبيل الفجر على طاقم السفينة الذي كان نصفه نائما، وكان مكونا من عشرة أشخاص. وتمكن البيضان المهاجمون من قتل أربعة أو خمسة من الطاقم لكن بقية الطاقم استطاعوا أن يلحقوا بقائد السفينة ابييرگييو في قمرته، (غرفة قيادة السفينة) ويتحصنوا بها قبل أن يشرعوا في إطلاق وابل من النيران مات بسببه كثير من رجال ونساء البيضان، ولما أيقن باقي البيضان بفشل انتفاضتهم ألقى نحو أربعين منهم بأنفسهم في الماء ليموتوا غرقا.
وازدادت هيمنة فرنسا على تجارة الرقيق في المنطقة، وساعدهم على ذلك تمركزهم بسينت الويس (اندر) منذ 1048هـ/ 1638م، وكانوا يشترون العبيد من مختلف المناطق المجاورة، فكانوا يشترون نحو مائة عبد من إحدى المحطات البيضانية على النهر في كل موسم.
ثم أدى عاملان محلي ودولي إلى تراجع هذه الهيمنة الفرنسية، فالعامل المحلي تمثل في ظهور حركة التائبين التي أنشأها الإمام ناصر الدين (تـ1084هـ/ 1673م) وحرم بيع العبيد للنصارى وحاربه بشدة، وكتب إلى ملك الوالو المجاور له افارا كومبا يحثه على طرد الفرنسيين قائلا إنهم لا يريدون إلا احتلال البلاد، ويتسترون بالتجارة ليتعرفوا على المنطقة. كما كاتب ملكي كايور وفوته واچيولوف يحذرهم من التعامل مع النصارى، ودعا ناصر الدين وثنيي هذه المناطق إلى الإسلام ومسلميهم إلى وقف بيع الرقيق، ولما لم يستجيبوا له غزا ممالكهم وفتحها، وأوقف تجارة الرقيق فيها. وقد أثار تصرفه هذا حنق الفرنسيين عليه وعلى حركته، التي كتب عنها الفرنسي شامبونو وكان أحد من عايشوها: "منذ أصبحوا سادة في البلاد فإن عبدا واحدا لم يدخل إلى سفننا"، فاستغل الفرنسيون قتل الإمام ناصر الدين في معركة جرت بترتلاس (1084هـ/ 1873م) فقاموا بتسليح الزنوج المناوئين لحركة الإمام ناصر الدين وتحريض أنصار الحركة على الردة، وتسبب هذا الوضع في اعتقال الآلاف من حركة الإمام ناصر الدين زنوجا وبيضانا وبيعهم كعبيد للفرنسيين الذين قاموا بتهجيرهم إلى أسواق النخاسة في أمريكا اللاتينية.  وقد بيعت مجموعة كبيرة منهم في ميناء سينت دومينگ الأميركي (الجنوبي) وجلبوا إلى البرازيل حيث قام أحفادهم بتفجير ثورة إسلامية إمامية تستند إلى نموذج حركة الإمام ناصر الدين هناك.
وتلاشت بعد ثلاث سنوات من التصفية الجسدية والاسترقاق حنوب النهر حركة التائبين الذين عرفوا هناك باسم "التوبنان" (النطق الولفي للتائبين وهو أصل كلمة "انجبنان" -التائب- الحسانية التي دخلت أسماء الأعلام الموريتانية) لكن ثلاثة من تلامذة أتباع الإمام ناصر الدين هم الإمام كاراموكو والإمام الحاج مالك سي والإمام سليمان بال تمكنوا من تفجير ثورات إسلامية وإقامة دول إمامية على نموذج الإمام ناصر الدين في كل من فوتا جلون وبوندو وفوته، ثورات وقفت بشدة ضد بيع العبيد للنصارى، كما كتب المامي (الإمام) عبد القادر كن خليفة الإمام سليمان بال للفرنسيين: "نجدد لكم القول بأنه إذا كان هدفكم هو شراء المسلمين فعليكم أن تبقوا في بلادكم، ولا تعودوا إلى بلادنا، وليعلم كل الذين يأتون إلى بلدنا لهذا الغرض بأنهم سيقتلون".
أما العامل الدولي الذي أدى بدوره إلى تراجع الهيمنة الفرنسية على تجارة الرقيق فتمثل في الاتجاه الذي قادته أنگلترا في أوروبا لوقف تجارة الرقيق، لاسيما وأن الانگليز ألزمت فرنسا سنة 1817م (1232هـ) بإنهاء تجارة الرقيق كشرط لتسليمها اندر (سينت الويس)، كما أن ثورة العبيد في سينت دومينگ 1804م (1218هـ) أثرت كثيرا على تجارة الرقيق الفرنسية.
ورغم تراجع سوق النخاسة الدولي ظلت تجارة الرقيق العابرة للقارات بالمحطات النهرية مستمرة حتى أواسط القرن التاسع عشر حيث أشارت الوثائق الفرنسية إلى بيع بعض أسرى حرب زواج الأمير التروزي محمد الحبيب بملكة الوالو الأميرة جنبت التي اندلعت سنة 1833م (1249هـ).
أما النخاسة المحلية فلم تتوقف حتى الاحتلال الفعلي للبلاد من طرف الفرنسيين مطلع القرن العشرين، ومثلت الحروب والاختطاف أهم مصادر هذه النخاسة الأخيرة، التي تركزت  في آخر مراحلها في الجيوب الشمالية الشرقية من السينغال وغينيا ومالي الغربية، حيث كانت الوثنية ما تزال سائدة في ممالك تمبا وانگالام وسيگو وكارتا، وظلت تغذي سوق الرقيق الاقليمي باستمرار. وساعدت الحروب فيما بين قبائل تلك المنطقة لا سيما السونكيين والبمباريين على استمرار تدفق العبيد إلى أسواق البيضان الذين كانوا يجلبونهم إلى الشمال.
ولما اندلعت في سنة 1269هـ/ 1852م حروب التأسيس التي خاضها الحاج عمر تال لإنشاء دولته ازدهرت أسواق الرقيق بقوة بمختلف أنواعه بما فيه الأرقاء من البيضان الذين كان أكثرهم من سبايا أولاد امبارك والمناطق التي قامت بها إماراتهم في باغنة (باخونو) والحوضين، في مشاهد دفعت عددا من قبائل الزوايا إلى مراجعة دعمها لجهاد الحاج عمر الفوتي، وقادت العالم والشاعر سيدي محمد بن محمد الصغير ابن انبوجه التيشيتي الذي رحل إلى الحاج عمر وانخرط في سلك دولته إلى إطلاق صرخة يخاطب فيها أبناء جنسه من البيضان ويحثهم على مبايعة الدولة الفوتية حتى لا تتعرض نساؤهم للسبي فيقول:
"أخاف يا بيض الجلود عليكم===إن لم تفيؤوا عاجلا أن تغنموا
فينال بيض بناتكـــم ذل السبا===ويعمهن هــــوان فيء يقسم
فيكن من بعض المقاسم عرضة===إما لبيع واتخـــــــاذ يهضم
ويقلن يا ويلاتنا مـــــا بالنا===صرنا سراري أسودين أنظلم
فيقال متن بغيظكن وقـــرن في===هذا الـهوان فقومكن الظلم"
الرق في موريتانيا بين التاريخ والميثولوجيا والفقه/ الحسين ولد محنض وأدى هذا الوضع الذي ميز الخمسين سنة الأخيرة من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين في الغرب المالي في نفس الوقت الذي توقف فيه تصدير العبيد إلى أوروبا وأمريكا إلى تزايد العبيد في بلاد شنقيط وانتشارهم فيها، وانهيار سعر العبد إلى ما دون "بيصة من النيلة" أو "عديلة من الملح"، فاستكثر منهم البيضان، ولم يكن يندر أن تجد مع سنوات الاستقلال (1960م) أسرة تمتلك أمة أو عبدا ما زال يتكلم البمبارية أو السوننكية، ويتذكر قصة بيعه أو اختطافه.  هذا الاختطاف الذي نشط رغم الاستعمار خلال الثلاثين سنة الأولى من القرن العشرين (ولم يتوقف نسبيا إلا سنة 1934م) بسبب الطلب المتزايد على العبيد في المغرب آنذاك، وانعدام رقابة حقيقية إسبانية على الأراضي الصحراوية، وتعود آخر قصة اختطاف وبيع موثقة في هذه البلاد إلى أربعينيات القرن المنصرم، أما البيع الطبيعي للعبيد فظل سائدا حتى سنوات الاستقلال، وإن كان قد أصبح أقل إعلانا بسبب إصدار الاستعمار الفرنسي سنة 1905م يحرمه.

  بين الميثولوجيا والفقه والتاريخ
كانت ميتيولوجيا البيضان المروية تعتقد أن الرقيق أسود بالفطرة، فهم لذلك كانوا يعتبرون الرقيق الأبيض أو الخلاسي (الأحمر) أقل عراقة من الرقيق الأسود، وهذا أحد أسباب ربط الذهنية الميتولوجية للبيضان في قولهم آزگير (ومعناه فرد من قبيلة إيزگارن) الذي يعني في أحد معنييه العبد الأحمر وفي معناه الآخر العبد الدنيء، ومؤنث آزگير تزگريت وهي الخادم الحمراء التي تقول ميتيولوجيا البيضان بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ منها. أما العبيد المفضلون لدى البيضان فهم نانمه (=ننمه) الذين يجمعون بين سواد اللون وكرم الأخلاق وأصالة المنبت وابتغاء مرضاة الأسياد وقوة الشخصية وسلاطة اللسان. ونانمه في الأصل –كما روينا عن التقاليد الشفهية- اسم قبيلة بمبارية من قبائل الغرب المالي، ثم أصبحت دالة على مجموعة قيم سلوكية، كما حدث مع الترزگي أو استبشيگ مثلا المشتقين من اسمي قبيلتي أولاد رزگ وبيجگه.
وحسب الأسطورة المؤسسة للعبودية في تقاليد البيضان الأسطورية المروية فإن عبودية السود وحرية البيض تعود إلى كون جد البيضان كان له أخ اسمه حام هو جد السودان وكانا يحملان مصحفين وجاء مطر شديد، فأخفى جد البيضان مصحفه تحت إبطه، بينما جعل جد السودان مصحفه فوق رأسه، فسال عليه مداد المصحف فاسود جلده واسودت بسبب خطيئته هذه جميع ذريته.
ولا يخفى أن هذه الأسطورة مأخوذة عن الموروث الأسطوري لليهود الذين كانوا من أوائل وأهم تجار ونخاسة الصحراء الكبرى، حيث تقول الأسطورة اليهودية المنسوبة للتوراة إن عبودية السود تعود إلى عصيان حام بن نوح لوالده أثناء نزول مطر الطوفان بينما أطاعه ابنه سام فدعا عليه فاسود لون حام وألوان ذريته بسبب خطيئته. ثم جرى تطوير هذه الأسطورة عندما جاء الإسلام إلى الصحراء وتراجعت مكانة اليهود في المجتمع، لتنسجم مع الموروث الثقافي الإسلامي لدى البيضان الذين أصبحوا -بسبب عوامل تاريخية مختلفة- يكرهون اليهود إلى درجة المقت. وقد فند ابن خلدون في تاريخه أسطورة اسوداد ذرية حام التوراتية مرجعا اختلاف ألوان البشرية إلى العوامل المناخية.
ورغم أن المجتمع عرف على نطاق واسع استرقاق جميع أجناس الصحراء بيضا وسودا وخلاسيين، حيث استرقت قبائل صنهاجة إبان مقدمها كثيرا ممن سبقها إلى هذه البلاد من بيض وأحباش وزنوج، واسترق بنو حسان خلال اجتياحهم للبلاد كثيرا من قبائل صنهاجة، وأحالوا كثيرا منهم إلى ما أصبح يطلق عليه وظيفيا اسم أزناگه، إلا أن قيمة العبد الأسود ظلت أرفع من قيمة العبد الخلاسي (الأحمر) أو الأبيض.
أما الفقه الإسلامي المحلي فأقدم إشارة فيه إلى العبودية سجلها التاريخ تعود إلى شهر شوال عام 898هـ (يوليو- أغسطس 1493م) عبر رسالة وجهها مستفت يدعى محمد بن محمد بن علي اللمتوني إلى الإمام السيوطي يقول فيها: "ومنهم من يخاصم على الأحرار ويدعوهم بالعبيد.. وإن قلت لهم هؤلاء أحرار كادوا يقتلونك ويقولون هؤلاء عبيد أتباع للسيف"، وسواء كان صاحب هذه الرسالة ولاتيا كما يرى عبد الودود ولد الشيخ أو من منطقة أگدس كما يرى جون هانويك وهاري نوريس، فالنص صريح في شيوع استرقاق الأحرار في غرب الصحراء الكبرى.
وبعد هذه الرسالة بثمانية وثلاثين عاما سأل أهل بلاد جزولة محمد بغيغو بن محمود بن أبي بكر الونگري التنبكتي عام 936هـ عن من يجوز شراؤه من السودان العبيد القادمين من ولاته وتيشيت وودان قائلين إن بعض هؤلاء يجلب إليهم وهو يقرأ سورا من القرآن، فأجاب: "بيع الأحرار في هذه البلاد فشا فشوا فكل من ادعى الحرية فهو مصدق ما لم يتبين كذبه، أتاكم من هذه الناحية أو ناحية ودان أو ناحية غيرهما".
وسئل محمد بن أعمر التنبكتي نفس السؤال، فأشار مستطردا في جوابه بعد أن عدد قبائل البلاد المسلمة إلى "أنهم يتنازعون ويغير بعضهم على بعض، ويبيع بعضهم بعضا.. كالعرب الذين يعدون على الأحرار المسلمين يبيعونهم ظلما، فلا يحل تملكهم".
وبعد هذا التاريخ بنحو تسعين عاما سأل أهل توات أحمدو بابا التنبكتي عام 1023هـ أحد أعلام الشرق الشنقيطي عن حكم العبيد المجلوبين من هذه البلاد التي تقرر إسلامها، فرد بأن "حالهم ملتبس" لأن العبيد الذين يباعون في هذه البلاد جامعون للصفتين، ومن المسلمين من يباعون والحال أنهم أحرار، مضيفا أن هذه "مصيبة عمت بها البلوى في هذا الزمان في البلدان".
ثم ظهر بعد ذلك بـ30 سنة في الغرب الشنقيطي الإمام ناصر الدين (تـ 1084هـ) قائد حركة التائبين الذي جعل من أهداف حركته وقف استرقاق الأحرار، ومنع بيع العبيد للنصارى وكان قد استفحل في عصره، وعندما سئل عن المستند الذي استند إليه في استحلال قتال أعدائه، قال: "لاسترقاقهم الأحرار".
وظل الواقع الاسترقاقي بعد ناصر الدين سائدا في البلاد فالفتاوى المشككة في شرعية هذا الاسترقاق لم تلق من المجتمع آذانا صاغية في عهد السيبة المتطاول. ومر القرنان الثاني عشر والثالث عشر الهجري (18 و19م) والحال بحاله، وإن دعا أعلام أجلاء مثل العلامة سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم إلى "منع بيع العبيد للنصارى وعدم أكل ما أخذ من ثمنه"، كما ظل الشك وعدم الاطمئنان إلى صحة أصل الاسترقاق في هذه البلاد حاضرين في الفتاوى الفقهية، يتبين ذلك من فتوى للعلامة محمد فال (اباه) بن عبد الله العلوي قال فيها: "وتجار العبيد كانوا في الزمن القديم يرحلون إلى بلاد السودان، ويسرقون أبناءهم ويبيعونهم، والسودان أيضا كان القوي منهم يبيع الضعيف، وفيهم المسلمون، ومن هذا يحصل الشك في رق هؤلاء العبيد الذين في هذه البلاد". وكما أفتى العلامة محمد فاضِل الشريف التِشيتي الذي قال بأن: "الحكم تصديق مدعيها [أي الحرية] وتكليف المشتري بإثبات الرق من مالك صحيح الملك.. لكثرة سبي الأحرار واشتراء الناس لهم من الأشرار".
وذكر أحمد بن أبي بكر بن عبد الله البارتيلي أنه جاءه عام 1234هـ "رجل يدعى عبد الحق بحر ذكر اشتراه من توات من عند رجل اسمه محمد لكصير.. وكلم الحر وسأله عن نسبه فقال إنه من السوانك، فإذا هو يقرأ ويصلي".
وجاء في رسالة وجهتها جماعة العلويين كتبها الطالب بن حنكوش إلى جماعة البوساتيين: "وبعد فليكن في كريم علمكم أدام الله الخير لديكم، أنا ثبت عندنا بشهادة العدول حرية الغلام الذي باعه منكم حامل هذا الكتاب الحسن بن المختار بن اعلي بن المختار عام أول، ولما ثبت ذلك بالبينة العادلة القاطعة ألزمنا الحسن المذكور أن يرد لكم ما قبض منكم من ثمنه، والثمن المذكور هو ثلاثة أباعر وملحفة من الخنط.. والغلام المذكور أهله أهل إسلام وأحرار أغارت عليهم كفرة بمباره وسبوا ما سبوا من نسائهم وصبيانهم.. وحرية هذا الغلام التي ادعاها خاله الطالب محمد ثابتة بشهادة العدول وغيرهم ممن لا يعد كثرة".
ولم يتغير الشيء الكثير بعد ذلك حتى قيام الدولة الموريتانية الحديثة، فبيع الأحرار ظل هو السبيل الأغلب، بل ربما الأوحد لتغذية سوق النخاسة في هذه البلاد السائبة منذ قرون عديدة، ولا شك أن ما هذه سبيله لا أساس له من الناحية الشرعية.
لقد استعبد الناس هنا لأكثر من عشرة قرون أحرارا مثلهم وقد آن الأوان ليتوقف هذا الاستعباد.

الرق عبر العالم: مسيرة تاريخية
لم يوجد الرق على الأرض إلا عندما وجد الإنسان المتحضر، فالمجموعات البدائية التي كانت تعيش في العصر الحجري وتتغذى من الصيد والقنص والثمار الطبيعية لم تعرف الرق، إذ كان يشيع فيها التعاون والمساواة، وكانت تعمل بصورة مشتركة على تحصيل غذائها، وفي حال ندرة الغذاء تعمد إلى قتل شيوخها ومرضاها وأحيانا نسائها وأطفالها أو تركهم يواجهون الموت لعجزهم عن القيام بحاجاتهم الغذائية.
وكان الإنسان البدائي يقتل عدوه في الحرب إذا انتصر عليه لأن استبقاءه حيا يمثل بالنسبة له عبئا غذائيا عليه لا يريد تحمله.
وعندما أخذ الإنسان في التجمع والتحضر، وتمكن من تطويع بعض الحيوانات وتربية بعض المواشي، والاشتغال بالزراعة، وأصبح لديه فائض غذائي وحاجات متجددة، ابتدع فكرة استنقاذ حياة أسيره والاستفادة منه بدل قتله بدم بارد. وبهذاا ظهر الرق المعبر عن استغلال الإنسان المنتصر للإنسان المنهزم بدل قتله، واعتبر هذا حينها تقدما عظيما في أخلاق وتحضر البشر، لأن العيش في أدنى مراتب الحياة يعتبر أهون من القتل كما نقل ويستر مارك في كتابه أصول وتطور الأفكار الأخلاقية.
ولما دعت الحاجة الإنسان إلى اتخاذ وطن ثابت، وتوسع هذا الوطن ليصبح قرية أو مدينة، ولم يعد الإنسان ينتج لنفسه وأسرته بل لغيره أيضا، بدأ نظام اجتماعي جديد قائم على المقايضة والتجارة في الظهور، وبدأ التفاوت الطبقي للمجتمع في التبلور. وتعززت الملكية الفردية، وتمايز الأغنياء والفقراء، فاحتاج الفقراء الذين لا يجدون قوتا يسد رمقهم إلى بيع أنفسهم أو أولادهم استنقاذا لهم من الموت، وشرعت مجتمعات بداية التاريخ تحت إلحاح الأهمية الاقتصادية للاستكثار من الرقيق هذا النوع من البيع، كما شرعت هذه المجتمعات للمدين حق إرقاق نفسه لدائنه إذا عجز عن سداد دينه، فوجد بذلك مصدر ثان للاسترقاق غير الأسر.
ثم قامت تلك المجتمعات في إطار تقنين نظم التعايش في المدينة بتشريع استقرقاق من يرتكب جريمة أو عملا مشينا من قبل ضحيته، أو بيعه والعودة بثمنه على الضحية، فأصبحت مصادر الرقيق في مجتمع المدينة القديمة ثلاثة هي: الأسر، والفقر، والجريمة.
ولأن الإنسان المالك أظهر حاجة متزايدة لاستغلال الإنسان المملوك في مرافق كثيرة ومنافع مختلفة نشأت بسرعة مذهلة في دول المدن الأولى في حياة البشر تجارة الرقيق، واحتاج سوقها بسرعة إلى مصادر غير المصادر السابقة، فظهرت العصابات البرية والبحرية التي تسافر إلى أراض بعيدة فتختطف من قدرت عليه من أبنائها ونسائها الأبرياء ثم تجلبهم إلى مدن بعيدة عن مدنهم الأصلية وضواحيها فتبيعهم في سوق النخاسة العابرة للمدن.
وهكذا استغل البشر التخلي الحضاري والأخلاقي لإنسان التاريخ القديم عن وحشيته الخاصة به باكتفائه باستعباد الأسير بدل قتله، استغل هذا التخلي لارتكاب فعل وحشي متفق عليه، فعل وحشي ظل يترسخ رغم تطور المجتمعات البشرية لأن وحشيته جمعية وليست فردية، ومعترف بها ومحمية بالقانون، وقد حظيت هذه الوحشية بسرعة بفلسفات تبريرية مختلفة، دفعت إليها حاجات الحضارات المتعاقبة الاقتصادية الريعية، إضافة إلى سيطرة الغرائز الأنانية ونوازع الملكية الفردية على سلوك الاقتصاد وأعراف المجتمعات التي أصبحت بسبب هذا الوضع منذ الوهلة الأولى لقيامها مجتمعات طبقية هرمية تكبل العبيد كطبقة بقيود معنوية لا تقل متانة عن القيود الحقيقية التي يتم تكبيلهم بها كأفراد.
وحتى مع تحرر الفكر الإنساني من العقيدة والأسطورة، وظهور وتطور الفلسفة على يد اليونان منذ القرن السادس قبل الميلاد، لم تستطع المعرفة البشرية أن تحرر المجتمع من هذه التراتبية الطبقية المبنية على الاستغلال والعبودية، حتى اعتبرها افلاطون جزءا طبيعيا من النظام السياسي وأحد أسس انتظام حياة المدينة الفاضلة. أما أرسطو فربط العبودية بالحياة الاقتصادية معتبرا أن "الملكية أداة للمعيشة، وأن العبد ملكية حية وأداة تعمل بما تؤمر به"، مشرعا وجود العبودية باعتبار أنه "ما دام لا يمكن لأي أداة أن تعمل بما أمرت به من تلقاء نفسها.. ما دامت الآلات لا تشتغل إلا بقوة العبيد، والأرض لا تنبت الحب إلا بسواعدهم، فإن الرق يبقى ضروريا لاقتصاد الأسرة والمدينة التي لا بد لحياتها من أن تشتمل على أحرار يحكمون وعبيد يعملون"، وكان صدى أقوال الفلاسفة القائلين بهذا الطرح أقوى في المجتمع اليوناني من الفلاسفة الذين نادوا –كالرواقيين مثلا- بأن العبودية عسف وجور وبأن الحرية هي الأصل.
ومع أن الرواقيين لم يفلحوا في إقناع الناس بعدم شرعية الاستعباد فقد نجحوا في إيقاظ الشعور الإنساني بضرورة تحجيم ظلم الإنسان السيد لعبده الإنسان.
وجاءت اليهودية بنسق مماثل يدعو إلى وقف ظلم الإنسان لأخيه الإنسان في ظرف كان فيه الإسرائيليون يرزحون تحت نير استعباد الفراعنة. لكن اليهود الذين كانوا ساميين سرعان ما عبثوا بتعاليمهم التوراتية، وحرفوها ليقصروا تحريم الاستعباد على فئتهم ويلصقوا تهمة جواز الاستعباد بغرمائهم الحاميين.
وعندما أصبحت اليونان مجرد مقاطعة رومانية نجح الرواقيون خاصة في استصدار قوانين رومانية تمنع الأسياد من ظلم عبيدهم.
وحين وجدت المسيحية حل الدين محل الفلسفة، وجاءت المسيحية بخضوع الجميع لله ومساواتهم أمامه، لكن الكنيسة سرعان ما حولت مفهوم الخضوع المسيحي إلى مفهوم تراتبي قائم على خضوع الكنيسة لله، وخضوع الأحرار للكنيسة، وخضوع العبيد للأحرار، وتولت الكنيسة توجيه الفكر الإنساني، واعتبرت الفلسفة إلحادا، والمعرفة ضلالة. وظل النظام الاستعبادي الذي غزا كل أصقاع العالم ينتشر ويترسخ.
وظهر الإسلام في هذا الخضم في بيئة عربية جاهلية يأكل القوي فيها الضعيف، ويباع فيها الأحرار، ويستعبد المنتصر فيها المهزوم، فقام الإسلام على الفور بسد كل مصادر الاستعباد السابقة باستثناء الكافر الذي يتم أسره وهو يحارب المسلمين ويستهدف قتلهم أو استرقاقهم، إذا رأى إمام المسلمين أن ذلك هو الأصلح للمسلمين، فالاسترقاق في هذه الحالة يعتبر خيارا من بين أربعة خيارات متاحة للأمة بحسب مصلحتها ومعاملة العدو الكافر لها هي القتل والفداء والمن والاسترقاق الذي يترتب عليه تجنيس الأسير ودمجه في المجتمع الإسلامي مع وضع أسس لتحريره إذا أسلم بعد ذلك إما بعتق الرقبة وهو ما يقوم به مالكها كفارة عن فعل محرم أو ابتغاء لمرضاة الله، وإما بفكها وهو ما يقوم به غير مالكها من المحسنين أو السلطان من مصارف الزكاة أو من بيت المال ن شراءها وإعتاقها، وإما بالمكاتبة وهو ما يقوم به العبد من شراء حريته من مالكه، وإما بالعتق الجبري على المالك إذا خالف الشرع بإساءة معاملة عبده.
ولم يكتف الإسلام بهذا بل أخذ في هدم الأساس الحاضن للأرقاء كشريحة في أسفل الهرم الطبقي للمجتمع، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بهدم هذه الطبقية والمساواة بين جميع المسلمين قائلا للناس: "كلكم لآدم وآدم من تراب"، وقائلا: "لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى" (إن أكرمكم عند الله أتقاكم). وطبق رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الهدم عمليا فزوج  عتيق أبي بكر الصديق بلال بن رباح الحبشي هالة بنت عوف القرشية أخت عبد الرحمن بن عوف من بني زهرة الذين هم أخوال النبي صلى الله عليه وسلم، منهم أمه آمنة بنت وهب، وزوج عتيقه زيد بن حارثة زينب بنت جحش وهي ابنة عمة النبي صلى الله عليه وسلم أمها أميمة بنت عبد المطلب، ثم خلفه عليها، وزوج زيدا بأم كلثوم بنت عقبة الأموية، وتقدم لفاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس خاطبان هما معاوية بن أبي سفيان وأبو جهم بن حذيفة فاستشارت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار عليها بمولاه أسامة بن زيد، وتزوج سلمان الفارسي امرأة من كندة، وخطب بلال وأخوه إلى أهل بيت من اليمن فقال بلال: أنا بلال وهذا أخي عبدان من الحبشة كنا ضالين فهدانا الله وكنا عبدين فأعتقنا الله، إن تنكحونا فالحمد لله وإن تمنعونا فالله أكبر، فزوجوهما. وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم مولاه أسامة بن زيد على جيش المسلمين قبيل وفاته، وفيه أبو بكر وعمر وأكابر الصحابة، فأشاع بكل هذا بين المسلمين مبادئ جديدة لا تعترف بالتراتبية الطبقية التقليدية.
وعلى سنته سار أبو بكر وعمر بن الخطاب الذي منع الخوض في الأنساب وقال لما حضرته الوفاة: لو كان سالم مولى حذيفة حيا لوليته، فارتفع بفعلهما شأن الموالي في دولة القرون المزكاة، ونشأت طبقة عالمة منهم نافست العرب، حتى اصطنعت الأدبيات التاريخية  ما روت أنه جرى بين الإمام ابن شهاب الزهري مع الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، قال: "قال لي عبد الملك بن مروان: من أين قدمت؟ قلت: من مكة، قال: فمن خلفت يسودها؟ قلت: عطاء، قال: أمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: .. فمن يسود أهل اليمن؟ قلت: طاووس، قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: فمن يسود أهل الشام؟ قلت: مكحول، قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي عبد نوبي أعتقته امرأة من هذيل، قال: فمن يسود أهل الجزيرة؟ قلت: ميمون بن مهران وهو من الموالي، قال: فمن يسود خراسان؟ قلت: الضحاك بن مزاحم من الموالي، قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قلت: الحسن البصري من الموالي، قال: فمن يسود أهل الكوفة؟ قلت: إبراهيم النخعي، قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من العرب. قال: ويحك فرجت عني".
وقد كان لتولي شؤون الدولة من قبل بني أمية وتحول الخلافة إلى ملكية جبرية دور كبير في وقف الديناميكية التي جاء بها الإسلام لمساواة الناس ومنع تفاضلهم إلا بالتقوى، حيث انهمك الناس في الدنيا، وأعاد سلطان بني أمية النعرة العصبية، وقبحوا زواج الموالي بالعربيات، وقام بعض ولاتهم بمحاربته وتعزير من قام به، ولما أعتق زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب جاربة وتزوجها وزوج أمه بمولى لأبيه يدعى ثريد كتب إليه عبد الملك بن مروان يعيره بذلك، فكتب إليه زين العابدين: "لقد كان لكم رسول الله أسوة حسنة وقد أعتق رسول الله صفية بنت حيي بن أخطب وتزوجها، وأعتق زيد بن حارثة وزوجه بنت عمته زينب بنت جحش".
وعاد العالم الإسلامي مع عهد الأمويين إلى أسر الطبقية التقليدية، ولم تفلح الأبواب الكثيرة التي شرعها الإسلام للقضاء على الرق في محوه ولا تحجيمه بعدما أصبح استجلاب الرقيق من مشارق الأرض ومغاربها هو هم الساسة والمجتمع، الساسة الذين استقووا بالرقيق في ثوراتهم المتتالية التي أطاحت بالأمويين وطيلة العهد العباسي إلى أن آل حكم المسلمين إلى الأتراك والمماليك، والمجتمع الذي وجد في الرقيق موردا اقتصاديا واجتماعيا لا يريد التخلي عنه.
وظل واقع العبودية في المجتمعات البشرية بعد ذلك على حاله حتى أخذت الحركة الفكرية في القرن 15 ميلادي في أوروبا في الدعوة إلى تحرير العقل الذي طال تكبيله بقيود الكنيسة، مستفيدة مما حملته المعارف الإسلامية إليها عبر الأندلس. وعملت هذه الحركة على تلمس طريقها لربط فلسفتها بما كانت توقفت عنده الفلسفة اليونانية، فنبتت بذلك بذور العلم الحديث، وأخذ العقل الأوروبي في التحرر من ظلمات الكنيسة إلى أنوار التجربة العلمية، وتمكن هذا العقل برفعه شعار القانون الطبيعي من إحداث نهضته الفلسفية والأدبية والعلمية الحديثة.
وخلال القرن السابع عشر كانت الأفكار الفلسفية تعد الناس في أوروبا للثورة على الإقطاعية والظلم والاستعباد، وانتصر الفكر الإنساني في أوروبا، ومد نفوذه في القرن الثامن عشر لإجبار الحكومات الأوروبية على وقف تجارة الرقيق في مستعمراتها حول العالم.
وبعد الثورة الفرنسية 1789 بعامين أصدر مجلس الثورة في 16 مايو 1791م قرارا بإلغاء الرق الزنوج في جميع المستعمرات الفرنسية، وفي 19 مارس 1802 أعاد نابليون العمل بالرق، وبعد سقوط نابليون وافقت الدول الغربية المجتمعة في مؤتمر فيينا 1815م بمبادرة بريطانية التي أوقفت تجارة الرقيق في مستعمراتها على تحريم تجارة الرقيق.
وفي 20 دجمبر 1831م اتفق عدد من الدول الأوروبية على اعتبار تجارة الرقيق من أعمال القرصنة التي يعاقبها القانون، وحرمته بريطانيا رسميا في مستعمراتها 1833م وإسبانيا 1835م والبرتغال 1839م وفي 28 يناير 1846م أبرمت فرنسا اتفاقية تلتحق بموجبها بهذه المعاهدة، وفي 27 ابريل 1848م صدر قانون فرنسي رسمي يلغي الرق في المستعمرات الفرنسية، وألغته هولندا والدانمرك 1860م. وبالنسبة لبيع الأولاد للاسترقاق فحاربته فرنسا في القرن 15م وفي الصين سنة 1787م وفي اليابان 1900م. 
أما أمريكا فقد توجت فيها محاربة الرق بصراع مرير استمر منذ استقلال الولايات المتحدة سنة 1776م إلى أن أصدر الرئيس الأمريكي ابراهام لنكولن في فاتح يناير 1863م وثيقته الشهيرة بوثيقة تحرير العبيد، وتقضي هذه الوثيقة بتحرير كافة العبيد في أمريكا وتعويض ملاك العبيد الشماليين عن أرقائهم بينما حرم الملاك الجنوبيون الذين كانوا قد أعلنوا الانفصال عن أمريكا من أي عوض.
وبعد إعلان تحرير العبيد في أمريكا تتابعت المؤتمرات عبر العالم لإلغاء الرق فانعقد في عام 1878م مؤتمر دولي في برلين اتفقت فيه الدول المستعمرة للكونغو على منع تجارة العبيد وإلغاء الرق، وفي 1890م انعقد مؤتمر مماثل في بروكسل تعهدت فيه الدول الأوروبية بمعاقبة الاتجار بالرقيق.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وإنشاء عصبة الأمم وقعت الدول الأعضاء فيها بتاريخ 25 سبتمبر 1926م اتفاقية دولية تقضي بمحاربة الرق ومعاقبة ممارسيه جنائيا، وبعد الحرب العالمية الثانية تم توقيع اتفاقية دولية جديدة في سان افرانسيسكو في 26 يونيو 1945م تم بموجبها إنشاء الأمم المتحدة وإصدار ميثاق جديد ينص على التزام الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بالحقوق الأساسية للإنسان وكرامته والمساواة بين أجناسه.
وفي 10 دجمبر 1948م أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي نصت المادة الرابعة منه على أنه "لا يجوز استرقاق أو استعباد أي شخص، ويحظر الاسترقاق وتجارة الرقيق بكافة أوضاعها". وتبع ذلك إصدار اتفاقيتين دوليتين بشأن محاربة الاسترقاق والاتجار به الأولر سنة 1949م والثانية 1956م، وفي 16 ديسمبر 1966م أكدت الأمم المتحدة في الميثاق الدولي لحقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية ما ورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من تحرير الاسترقاق بكافة أشكاله.
ورغم كل هذه الجهود بقي الرق موجودا في العديد من دول العالم كما تظهر ذلك دراسة نشرتها لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة بتاريخ 25 أغسطس 1978 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق